يعيش الإنسان السوداني فصولاً مأساوية من الترويع والتهجير القسري والحرمان من مقومات الحياة الأساسية.
وتحولت المدن إلى ساحات للمواجهات المسلحة التي تطحن المدنيين العزل تحت وطأة الجوع والعطش والأوبئة الفتاكة.
وتتجسد فظاعة هذا المشهد الإنساني القاتم في عزل التجمعات السكانية واستهداف البنى التحتية الحيوية.
ويجعل البقاء على قيد الحياة معجزة يومية يتيمة وسط النزوح الجماعي وغياب الرعاية والفرص الآمنة للملاذ.
مصير الفاشر
تتصاعد المخاوف الإنسانية من تكرار سيناريو مدينة الفاشر المأساوي في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، عقب تكثيف قوات الدعم السريع لضرباتها الجوية وحشدها تعزيزات عسكرية ضخمة ومكثفة حول أسوار المدينة.
معركة البقاء
تسببت هجمات المسيرات بتعطيل محطات توليد الطاقة والوقود والمياه بالكامل، مما حول حياة السكان لمعركة يومية مريرة للبقاء، لتصاعد استهداف المنشآت الحيوية والمدنية والطرق السريعة الرئيسية من الدعم السريع.
أهمية استراتيجية
تأوي الأبيض نصف مليون مواطن بجانب مئة ألف نازح، وتكمن قيمتها الاستراتيجية بوقوعها على الشريان الرابط بين دارفور غرباً ومناطق الجيش شرقاً ووسطاً، وتضم قاعدة جوية وفرقة مشاة عسكرية.
غلاء وحصار
توضح الباحثة خلود خير أن السيطرة على المدينة تعني النفوذ والمال، لافتة لحصار السكان مع قفز أسعار الغذاء 300%، وعجز الكثيرين عن الخروج لنفاذ أموالهم وغياب الوجهات الآمنة البديلة لديهم.
تطويق ميداني
أفادت نهاد الطيب، الباحثة بمنظمة أكليد، برصد تحركات لوجستية وعسكرية مكثفة لقوات الدعم السريع طيلة الشهر المنصرم، على مسافة تقدر بنحو 60 كيلومتراً في جهات المدينة الشرقية والجنوبية والغربية.
بؤس المخيمات
يتكدس بمخيم الرحمانية 200 عائلة بمآوٍ واهية، وتروي أقسام محمد تكبدها مسافات شاقة لجلب مياه عكرة ملوثة وسط غياب تام للمساعدات، وتؤكد السبعينية وسيلة محمد انعدام الغذاء والفرش بمأواها.
فظائع وشيكة
أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه حيال التحشيد العسكري حول الأبيض محذراً من ارتكاب فظائع جماعية، وتضاءلت إمدادات الإغاثة المارة نتيجة قطع الطرق الميدانية وتدمير ما تبقى من البنية التحتية.
تهديد الحصار
حذر محمد رفعت، من المنظمة الدولية للهجرة، من قرب فرض حصار شامل يمنع خروج أو عودة المدنيين، متوقعاً تدهور الأوضاع خلال أسابيع لتشابه مجازر الفاشر التي شهدت مقتل 6 آلاف شخص.
اتهامات متبادلة
ميدانياً، حاول الجيش إعاقة تقدم الخصم وتدمير عتاده الحربي، بينما اتهمت مصادر تابعة للدعم السريع القوات المسلحة باستخدام المواطنين دروعاً بشرية لحماية المواقع العسكرية، وسط استمرار الصراع العنيف بالمنطقة.
انسداد سياسي
يتزامن التدهور الميداني مع تعثر الحراك السياسي؛ حيث نفت الخارجية السودانية صحة تصريحات مسعد بولس أمام مجلس الأمن حول رفض مقترح السلام الأمريكي، مؤكدة تعاطيها الإيجابي والمستمر مع مبادرات التهدئة.
جهود الرباعية
تقود واشنطن والرياض، عبر رباعية دولية تضم مصر والإمارات، مساعي لإقرار هدنة إنسانية للصراع المندلع منذ أبريل 2023، والذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح 13 مليون شخص دولياً.
إن نذر الكارثة الإنسانية التي تخيم على مدينة الأبيض تضع المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية أمام اختبار أخلاقي وقانوني عاجل للتدخل ومنع تكرار المآسي الجماعية.
ويثبت الواقع الميداني المعقد أن استمرار تعنت الأطراف العسكرية وتعثر المسارات الدبلوماسية لن يسفرا إلا عن تعميق جراح الشعب السوداني وإبادة مقومات مستقبله الوطني.


