أنا لا أعرف كيف يمكن لورقة خفيفة، وعيدان صغيرة، وخيط طويل أن تتحول في لحظة إلى «خطر أمني» في نظر دولة تملك واحدًا من أقوى الجيوش في المنطقة. لكن هذا هو المشهد الذي تقدمه لنا غزة اليوم: أطفال يعيشون بين الخيام والركام، يحاولون أن يصنعوا لأنفسهم لحظة فرح صغيرة، فإذا بالطائرة الورقية التي يصنعونها من بقايا الأشياء تتحول إلى قضية أمنية تستنفر الاحتلال الإسرائيلي.
أنا أتحدث هنا عن طيارة ورق.. نعم، طيارة ورق، لا صاروخ ولا مسيرة ولا قذيفة.
في الأيام الأخيرة، حذرت لجان شعبية في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء في قطاع غزة الأهالي من السماح للأطفال بإطلاق الطائرات الورقية، خشية أن تتخذ إسرائيل ذلك ذريعة للقصف أو لتوسيع دائرة الاستهداف. وجاء التحذير بعد تهديدات إسرائيلية بالرد على إطلاق الطائرات الورقية والبالونات من القطاع.
هنا أسأل نفسي: إذا كانت الطائرة الورقية بلا متفجرات، وإذا كان الأطفال هم من يطيرونها، فمن الذي يخاف من ورقة؟
الإجابة في رأيي لا تكمن في الورقة نفسها، وإنما في المعنى الذي أصبحت تحمله.
لقد عرف العالم منذ سنوات قصة الطائرات الورقية والبالونات الحارقة التي استخدمها فلسطينيون خلال احتجاجات حدود غزة عام 2018، وأدت آنذاك إلى حرائق وأضرار في مناطق زراعية إسرائيلية. ولذلك فإن لدى إسرائيل خلفية أمنية تجعلها تنظر إلى أي طائرة قادمة من غزة بعين مختلفة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح كل طفل يحمل طائرة ورقية مشروعَ مقاتل، وكل خيط طائرة تهديدًا عسكريًا.
والأغرب بالنسبة لي أن التهديد الإسرائيلي لم يتوقف عند التحذير، بل وصل إلى الحديث عن استهداف من يطلقون هذه الطائرات وإخلاء مناطق يُعتقد أنها تستخدم لإطلاقها. وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير عن طائرات ورقية وصلت إلى مناطق قريبة من القطاع، بينما لم يثبت احتواؤها على مواد خطرة.
وهنا أتساءل مرة أخرى: هل أصبحت غزة ممنوعة حتى من اللعب؟
أعتقد أن هذا هو السؤال الحقيقي.
فالطفل الغزي الذي يعيش داخل خيمة لا يبحث عن معركة. هو يبحث عن مساحة في السماء. الطفل الذي فقد بيته ومدرسته وأصدقاءه، ويحاول أن يصنع طائرة من الورق والخشب والخيط، يريد أن يشعر للحظات بأنه طفل طبيعي مثل بقية أطفال العالم.
وقد تحدث خبراء في المجال الإنساني عن لجوء الأطفال إلى صناعة الألعاب من الأشياء المتاحة لهم، ومنها الطائرات الورقية، باعتبار اللعب وسيلة للهروب ولو مؤقتًا من أجواء الحرب والصدمة.
لكن يبدو أن حتى هذه المساحة الصغيرة من الطفولة أصبحت ممنوعة.
واللافت أن الخبراء أنفسهم اختلفوا في تفسير ما يحدث. فالمحلل السياسي الفلسطيني حسام شاهين رأى أن الحديث عن الطائرات الورقية كخطر أمني مبالغ فيه، متسائلًا كيف يمكن لطائرة ورقية يصنعها طفل في مخيم للنازحين أن تمثل تهديدًا حقيقيًا، في وقت تسيطر فيه القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع.
أما عادل شديد، المتخصص في الشأن الإسرائيلي، فاعتبر أن التعامل مع الطائرات الورقية باعتبارها قضية أمنية يأتي في سياق محاولة توظيفها سياسيًا وأمنيًا، مشيرًا إلى أن القضية قد تتحول إلى ذريعة لتبرير استمرار الضغط العسكري.
وفي المقابل، هناك من ينظر إلى الأمر من زاوية إسرائيلية مختلفة تمامًا. فالدكتور رون شلايفر، المتخصص في الحرب النفسية، يرى أن الطائرات الورقية قد تكون جزءًا من حرب نفسية تستهدف المجتمع الإسرائيلي، وأن التعامل معها بجدية ليس بالضرورة أمرًا عبثيًا من وجهة نظر الأمن الإسرائيلي.
وأنا هنا لا أريد أن أتجاهل المخاوف الأمنية الإسرائيلية، ولا أن أقول إن كل شيء يخرج من غزة يجب أن يُنظر إليه باعتباره لعبة. لكنني أضع أمام القارئ حقيقة بسيطة: الطائرات الورقية التي عثر عليها لم تكن تحمل مواد خطرة.
إذن، لماذا يدفع الأطفال الثمن؟
لقد وصلت القضية إلى درجة أن اللجان الشعبية في مخيمات النزوح اضطرت إلى مطالبة الآباء بمنع أطفالهم من اللعب بالطائرات الورقية، ليس لأنها لعبة خطيرة في ذاتها، ولكن لأن الخوف من الرد الإسرائيلي أصبح أقوى من قدرة الأطفال على اللعب.
وهذا في رأيي هو المشهد الأكثر قسوة.
لم يعد الأب في غزة يقول لابنه: «انتبه ألا تسقط الطائرة».
بل أصبح مضطرًا لأن يقول له: «لا تطيرها حتى لا يقتلوك».
أي طفولة هذه؟
وأي عالم هذا الذي يصبح فيه خيط مربوط بورقة سببًا للخوف من الطائرات الحربية؟
حتى الفصائل الفلسطينية وصفت التهديدات الإسرائيلية بأنها محاولة لتبرير استمرار الهجمات وتهديد الأطفال، بينما شددت جهات دولية على ضرورة وقف الأنشطة المسلحة، وفي الوقت نفسه التزمت إسرائيل بوقف إطلاق النار وعدم توسيع العمليات العسكرية إلى ما يتجاوز التهديدات الحقيقية والوشيكة.
وهنا تدخل القضية في دائرة أكبر من مجرد «طيارة ورق».
إنها تتعلق بالسؤال عن حدود القوة عندما تواجه طفلًا.
القوة الحقيقية، في رأيي، ليست أن تستطيع دولة إسقاط طائرة ورقية بصاروخ، وإنما أن تكون قادرة على التمييز بين التهديد الحقيقي وبين لعبة طفل.
إن إسرائيل، عندما تجعل من طائرة ورقية قضية عسكرية، لا تجعل الورقة أقوى؛ وإنما تجعل خوفها أكثر وضوحًا.
فالورقة لا تملك محركًا، ولا رأسًا حربيًا، ولا نظام توجيه.
لكنها تملك شيئًا آخر: قدرة الطفل على الحلم.
وربما لهذا السبب تبدو الطائرة الورقية في غزة أكبر من حجمها بكثير.
إنها تخرج من بين الخيام، وتحلق فوق الركام، وتقول إن هناك طفلًا ما زال يريد أن يلعب.
وفي الوقت الذي تتساقط فيه القنابل، يظل الطفل يبحث عن السماء.
وهنا أصل إلى خلاصة مقالي: إذا كانت دولة تملك الطائرات الحربية والقنابل والصواريخ تخشى من طائرة ورقية صنعها طفل، فالمشكلة ليست في الطائرة الورقية.
المشكلة في الخوف الذي جعل من ورقة عدوًا.
وأنا، حين أرى طائرة ورقية ترتفع فوق خيام غزة، لا أراها سلاحًا.
أراها طفلًا يقول للعالم: ما زلت حيًا.. وما زلت أريد أن ألعب.
وهذه، في النهاية، ليست جريمة.
إنها أبسط حقوق الإنسان.







