في خضم التحولات الكبرى التي يعيشها العالم اليوم، يبدو أن البشرية تقف أمام لحظة تاريخية فارقة يتراجع فيها نظام دولي قديم، بينما تتشكل ملامح نظام جديد تقوده قوى صاعدة على رأسها الصين.
وبينما أتابع التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين، أجد أن أفضل ما يفسر هذا المشهد المعقد هو ما يعرف في علم السياسة بـ«فخ ثيوسيديدس»، وهي النظرية التي باتت تُستخدم لفهم طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة والصين، ومستقبل الهيمنة العالمية خلال العقود المقبلة.
يرجع أصل هذه النظرية إلى المؤرخ الإغريقي القديم ثيوسيديدس الذي وثّق الحرب البيلوبونيسية بين أثينا وإسبرطة قبل أكثر من ألفي عام، حين قال عبارته الشهيرة: «إن صعود أثينا والخوف الذي زرعته في إسبرطة جعلا الحرب حتمية». وفي العصر الحديث أعاد المفكر الأمريكي غراهام أليسون إحياء هذه النظرية، موضحًا أن التاريخ شهد مرارًا صدامات بين قوة مهيمنة تخشى فقدان نفوذها، وقوة صاعدة تسعى لانتزاع مكانتها في العالم.
واليوم، تبدو الولايات المتحدة في موقع القوة التقليدية التي اعتادت قيادة العالم منذ نهاية الحرب الباردة، بينما تمثل الصين القوة الصاعدة بثقة هائلة اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا. وهذا ما يجعل الصدام بينهما حاضرًا في كل الملفات؛ من التجارة والتكنولوجيا إلى النفوذ البحري والسياسي.
لقد حملت اللقاءات التي جمعت الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسائل عميقة تتجاوز البروتوكولات الدبلوماسية المعتادة. ومن بين أكثر العبارات التي أثارت اهتمام المحللين قول شي جين بينغ لترامب: «أخشى أن تقع في فخ ثيوسيديدس».
لم تكن هذه الجملة مجرد تحذير سياسي عابر، بل كانت رسالة استراتيجية مباشرة إلى واشنطن. فالصين أرادت أن تقول بوضوح إن الخطر الحقيقي لا يكمن في صعود بكين، بل في خوف أمريكا من هذا الصعود، لأن هذا الخوف قد يدفعها إلى سياسات عدائية تؤدي إلى مواجهة كبرى تهدد استقرار العالم.
حين قال شي هذه العبارة، كان يدرك أن الولايات المتحدة تنظر إلى الصين باعتبارها التحدي الأكبر لهيمنتها العالمية منذ عقود. كما كان يدرك أن واشنطن بدأت بالفعل في استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي لمحاولة إبطاء التقدم الصيني. لكن بكين، في المقابل، تريد أن توصل رسالة مفادها أنها لا تسعى إلى الحرب، بل إلى الاعتراف بها كقوة عظمى جديدة لها حق المشاركة في قيادة النظام الدولي.
ويرى غراهام أليسون أن أخطر ما في فخ ثيوسيديدس هو أنه يجعل الحرب ممكنة حتى لو لم تكن أي من الدولتين ترغب بها فعليًا. فالخوف وسوء الحسابات والتنافس على النفوذ قد يقود إلى صدام غير مقصود، كما حدث مرارًا في التاريخ.
أما الباحث الأمريكي جون ميرشايمر فيؤكد أن الصين لن تقبل بالبقاء تحت المظلة الأمريكية، وأنها ستواصل بناء قوتها حتى تصبح القوة المهيمنة في آسيا على الأقل، وهو ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية.
وفي الوقت الذي تتقدم فيه الصين بثقة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تواجه أزمة داخلية متفاقمة. فالاستقطاب السياسي الحاد، والانقسامات الاجتماعية، وأزمات الاقتصاد والتضخم، وارتفاع الديون، كلها مؤشرات يراها كثير من المحللين علامات على بداية تراجع الإمبراطورية الأمريكية.
وهنا تتجلى بوضوح رؤية ابن خلدون الذي تحدث منذ قرون عن دورة حياة الدول والإمبراطوريات. فقد رأى أن الدول تبدأ قوية متماسكة، ثم تدخل تدريجيًا مرحلة الترف والانقسام والتآكل الداخلي حتى تضعف وتسقط. وما يحدث اليوم داخل الولايات المتحدة يدفع العديد من المفكرين إلى استحضار النظرية الخلدونية بوصفها تفسيرًا لحالة الوهن التي أصابت القوة الأمريكية.
المؤرخ الفرنسي إيمانويل تود يرى أن الولايات المتحدة تعيش بالفعل مرحلة انحدار استراتيجي، وأن قدرتها على فرض هيمنتها العالمية لم تعد كما كانت بعد الحرب الباردة. بينما يحذر المستثمر والكاتب الأمريكي راي داليو من أن تراكم الديون والانقسامات الداخلية كان دائمًا مقدمة لسقوط القوى الكبرى عبر التاريخ.
في المقابل، تبدو الصين وكأنها تعيش لحظة القوة التاريخية. فبكين لم تعد مجرد مصنع للعالم، بل أصبحت منافسًا شرسًا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية. كما أن مشروع “الحزام والطريق” منحها نفوذًا واسعًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ورسخ صورتها كقوة عالمية صاعدة.
الصين كذلك تحاول تقديم نموذج مختلف عن النموذج الغربي، يقوم على التنمية الاقتصادية والاستقرار وعدم التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، وهو ما منحها قبولًا واسعًا في كثير من الدول النامية التي سئمت من السياسات الغربية التقليدية.
وقد بدأت ردود الفعل الدولية تعكس هذا التحول بوضوح. فالكثير من الدول باتت تتجه شرقًا اقتصاديًا وسياسيًا، وتسعى للانضمام إلى تكتلات تقودها الصين مثل مجموعة بريكس، في إشارة إلى تراجع الثقة بالنظام العالمي الأحادي الذي قادته واشنطن لعقود.
في المقابل، يزداد القلق داخل الولايات المتحدة من احتمال فقدان التفوق العالمي. مراكز الدراسات الأمريكية تتحدث باستمرار عن الخطر الصيني، سواء في التكنولوجيا أو الاقتصاد أو القوة العسكرية، وبعض السياسيين الأمريكيين يرون أن بلادهم تخوض معركة مصيرية للحفاظ على زعامة العالم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل العالم مقبل على مواجهة كبرى بين الصين وأمريكا؟
هناك من يرى أن الترابط الاقتصادي العميق بين البلدين يجعل الحرب الشاملة مستبعدة، لأن كلفتها ستكون كارثية على الجميع. لكن آخرين يحذرون من أن التوتر المتصاعد حول تايوان وبحر الصين الجنوبي قد يتحول إلى شرارة صدام خطير في أي لحظة.
أنا أعتقد أن العالم يعيش فعلًا مرحلة انتقال تاريخية، وأن ميزان القوى يتغير بصورة متسارعة. فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك الهيمنة المطلقة كما كان الحال في التسعينيات، بينما تتحرك الصين بثقة حضارية واستراتيجية طويلة النفس، مستفيدة من أخطاء خصومها ومن حالة الإنهاك التي أصابت الغرب عمومًا.
التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، بل تبدأ بالتآكل من الداخل قبل أن تفقد قدرتها على السيطرة. وربما لهذا السبب بدت عبارة شي جين بينغ لترامب «نود ألا نسقط في فخ توسيد يدس» وكأنها ليست مجرد تحذير للرئيس الأمريكي وحده، بل رسالة للعالم كله بأن الصراع بين القوى الكبرى قد يقود البشرية إلى مرحلة شديدة الخطورة إذا غابت الحكمة السياسية.
وفي النهاية، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو مرشحًا ليكون قرن التحولات الكبرى، حيث تتراجع قوى قديمة، وتصعد قوى جديدة، بينما يقف العالم كله مترقبًا شكل النظام الدولي القادم، ومن ستكون له الكلمة العليا في زمن ما بعد الهيمنة الأمريكية.







