تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية اختباراً اقتصادياً هو الأصعب منذ عقود، مع دخول الحصار المالي الإسرائيلي شهره الثالث على التوالي من الاحتجاز الكامل لكافة أموال الضرائب الفلسطينية المعروفة بـ “المقاصة”.
ويأتي هذا التصعيد المالي غير المسبوق كجزء من استراتيجية “الخنق الاقتصادي” التي تنتهجها حكومة الاحتلال بالتوازي مع العمليات العسكرية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية، مما يضع المؤسسات الفلسطينية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها على حافة الانهيار.
وتشير البيانات المالية إلى أن سلطات الاحتلال رفعت وتيرة الاقتطاعات غير القانونية منذ السابع من أكتوبر 2023، إلا أن التطور الخطير يتمثل في تجميد تحويل كامل الإيرادات لثلاث دورات مالية متتالية لأول مرة في تاريخ العلاقة الاقتصادية المحكومة بـ “بروتوكول باريس” الموقع عام 1994.
هذا البروتوكول الذي يمنح إسرائيل سلطة جباية الجمارك والضرائب للسلع المستوردة للأراضي الفلسطينية بحكم سيطرتها المطلقة على المعابر والحدود، ينص صراحة على تحويل هذه الأموال للسلطة الفلسطينية شهرياً مقابل عمولة إدارية محددة بـ 3%.
ويخالف الكيان ذلك والواقع الراهن يشير إلى تحول هذه الأموال من حق سيادي فلسطيني إلى أداة ابتزاز سياسي بيد الاحتلال.
وتكمن خطورة هذا الاحتجاز في أن أموال المقاصة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني، حيث تشكل حوالي 65% من إجمالي الإيرادات العامة، وبدونها تصبح الحكومة الفلسطينية عاجزة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام أو تشغيل المرافق الحيوية كالمستشفيات والمدارس.
ويرى مراقبون دوليون أن هذا المسلك لا يمثل مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو تقويض ممنهج لركائز الدولة الفلسطينية، وخرق فاضح للاتفاقيات الدولية التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بعدم المساس بالمقدرات المالية للشعب الواقع تحت احتلالها، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي تفرضها الحرب الراهنة.


