تدخل إسرائيل مرحلة جديدة من الغموض السياسي، بعدما كشفت نتائج الانتخابات عن مشهد برلماني معقد، لم يتمكن فيه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من تأمين أغلبية تتيح له تشكيل الحكومة، في حين لم تنجح المعارضة، رغم تقدمها العددي، في تحويل تفوقها إلى ائتلاف متماسك قادر على إنهاء حكمه.
وبين معسكر يميني يفتقر إلى الأصوات اللازمة، ومعارضة تتنازعها خلافات أيديولوجية وسياسية، تبرز الأحزاب العربية بوصفها أحد أبرز مفاتيح المعادلة الجديدة، وسط مفاوضات قد تحدد شكل الحكومة المقبلة، وربما ترسم مستقبل نتنياهو السياسي.
نتنياهو.. أكبر الأحزاب لا يعني امتلاك السلطة
وفقًا للأرقام الواردة حتى كتابة التقرير، حصل حزب الليكود بقيادة نتنياهو على نحو 26 مقعدًا في الكنيست، بينما يُتوقع أن يصل مجموع مقاعد معسكره اليميني إلى 53 مقعدًا، وهو ما يضعه دون عتبة الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعدًا من أصل 120.
وتعني هذه الأرقام أن تصدر الليكود للمشهد البرلماني لا يمنح نتنياهو حقًا تلقائيًا في تشكيل الحكومة، إذ تتوقف النتيجة النهائية على قدرة المرشحين على جمع الدعم الكافي من الأحزاب الأخرى.
ويتمثل التحدي الأساسي أمام نتنياهو في منع خصومه من بناء ائتلاف بديل، بالتوازي مع محاولة استقطاب نواب من خارج معسكره، أو دفع بعض أحزاب المعارضة إلى رفض التعاون مع القوى العربية.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن نتنياهو يسعى إلى إضعاف فرص تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، مستندًا إلى الخلافات القائمة بين مكونات المعارضة، وإلى تحفظات بعض قادتها على التعاون مع هذه الأحزاب.
آيزنكوت.. فرصة للتغيير أم ائتلاف يصعب جمعه؟
في المقابل، يواجه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وأحد أبرز منافسي نتنياهو، اختبارًا سياسيًا بالغ التعقيد.
فالمشكلة لا تكمن فقط في تجميع عدد كافٍ من المقاعد، بل في التوفيق بين أحزاب تختلف في توجهاتها السياسية والأيديولوجية، وفي مواقفها من القضايا الأمنية والفلسطينية، فضلًا عن رؤيتها لشكل العلاقة مع الأحزاب العربية.
ووفقًا للأرقام، لا يتجاوز مجموع مقاعد أحزاب المعارضة اليهودية 48 مقعدًا، ما يجعل دعم القوى العربية عنصرًا أساسيًا في الحسابات المطروحة لتشكيل حكومة بديلة.
لكن هذا الدعم لا يعني بالضرورة أن الأحزاب العربية ستشارك في الحكومة نفسها؛ إذ يمكن أن يتخذ التعاون صورة دعم برلماني من الخارج، أو اتفاقات بشأن قضايا محددة، بحسب شروط الأطراف المشاركة ومواقفها السياسية.
وبذلك، يجد آيزنكوت نفسه أمام معادلة مزدوجة: بناء تحالف قادر على تجاوز حاجز الـ61 مقعدًا، والحفاظ في الوقت نفسه على تماسك أحزاب قد تختلف فيما بينها بمجرد الانتقال من مرحلة إسقاط نتنياهو إلى مرحلة الاتفاق على برنامج الحكم.
الأحزاب العربية.. من التمثيل البرلماني إلى التأثير في تشكيل الحكومة
تحتل الأحزاب العربية موقعًا محوريًا في الحسابات البرلمانية الجديدة، مع توقع حصول القائمة العربية الموحدة «رعَم» والقائمة المشتركة على 19 مقعدًا وفقًا للتقديرات الواردة في التقرير.
وتضم الساحة العربية قوى ذات توجهات مختلفة؛ فالقائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس تتبنى نهجًا يركز على التأثير السياسي والعمل البرلماني لتحسين أوضاع المجتمع العربي، في حين تضم القائمة المشتركة أحزابًا من بينها الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة «حداش»، والحركة العربية للتغيير «تعل»، والتجمع الوطني الديمقراطي «بلد»، ولكل منها رؤيته السياسية وبرنامجه.
وتكتسب هذه القوى أهمية إضافية في ظل القضايا الداخلية التي تشغل المواطنين العرب في إسرائيل، وفي مقدمتها تصاعد الجريمة والعنف، وأوضاع السلطات المحلية، والميزانيات والخدمات العامة، إلى جانب القضايا الوطنية الفلسطينية.
وكان منصور عباس قد شارك في دعم تشكيل حكومة إسرائيلية عام 2021، في خطوة شكلت سابقة مهمة في مسار مشاركة حزب عربي مستقل في مفاوضات تشكيل الحكومة. غير أن تكرار تجربة مماثلة يتوقف على موازين القوى وشروط الأطراف المختلفة في المرحلة الراهنة.
وفي المقابل، يرفض بعض قادة المعارضة اليمينية الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة. وقد أشار تقرير CNN إلى تحفظ نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان على هذا الخيار، بينما دعا يائير غولان، زعيم حزب الديمقراطيين، إلى التعامل مع الأحزاب العربية بوصفها جزءًا من المعادلة السياسية، ورفض الفصل بين الأصوات اليهودية والعربية.
وهكذا، لا يتوقف دور الأحزاب العربية عند عدد المقاعد التي تمتلكها، بل يمتد إلى طبيعة الشروط التي ستطرحها، ومدى استعداد الأطراف الأخرى لقبولها شريكًا في الترتيبات السياسية المقبلة.
ماذا سيحدث إذا فشل الطرفان في تشكيل الحكومة؟
تتعدد السيناريوهات المطروحة أمام النظام السياسي الإسرائيلي، في ظل غياب أغلبية واضحة لأي من المعسكرين.
السيناريو الأول: حكومة برئاسة آيزنكوت بدعم عربي.
يتطلب هذا المسار التوصل إلى تفاهمات بين أحزاب المعارضة، والحصول على دعم عربي كافٍ لتجاوز عتبة الأغلبية البرلمانية. وقد يكون هذا الدعم من خارج الحكومة، إذا تعذر الاتفاق على مشاركة مباشرة في الائتلاف.
السيناريو الثاني: بقاء نتنياهو عبر استقطاب أصوات إضافية.
يمكن لنتنياهو محاولة جذب نواب أو أحزاب من خارج معسكره، أو الاستفادة من خلافات خصومه لمنعهم من تشكيل حكومة بديلة. لكن هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرته على تأمين دعم برلماني فعلي.
السيناريو الثالث: حكومة وحدة وطنية.
قد تبرز فكرة حكومة تضم قوى من المعسكرين إذا تعثرت الخيارات الأخرى، خصوصًا مع دعوة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى تجنب انتخابات جديدة. غير أن هذا الخيار يواجه خلافات سياسية عميقة، ولا سيما بشأن قيادة الحكومة وبرنامجها وتوزيع المناصب.
السيناريو الرابع: انتخابات جديدة.
إذا فشل المرشحون المكلفون في تشكيل حكومة، ولم يتمكن الكنيست من الاتفاق على بديل، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات أخرى، بما يطيل حالة عدم اليقين السياسي.
دور الرئيس الإسرائيلي.. بداية مرحلة المفاوضات
بعد استكمال النتائج الرسمية، تبدأ مرحلة المشاورات التي يجريها الرئيس إسحاق هرتسوغ مع الأحزاب المنتخبة، قبل تكليف المرشح الذي يراه الأقدر على تشكيل حكومة.
ولا يشترط أن يكون المرشح المكلف زعيم الحزب صاحب أكبر عدد من المقاعد، بل يتعين النظر إلى فرصه في الحصول على دعم برلماني كافٍ.
وبحسب الإجراءات الواردة في تقرير CNN، يحصل المرشح المكلف على 28 يومًا لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المهلة 14 يومًا إضافية. وإذا أخفق، يمكن نقل المهمة إلى مرشح آخر، قبل الانتقال إلى المراحل التالية التي قد تنتهي بتكليف بديل أو إجراء انتخابات جديدة.
وفي هذه المرحلة، لا تقتصر أهمية المقاعد البرلمانية على حجم الكتل، بل تمتد إلى التوصيات التي تقدمها الأحزاب للرئيس، والاتفاقات التي تستطيع إبرامها خلال المفاوضات.
الخلاصة والحسم
تكشف الأرقام الواردة في التقرير عن مشهد لا يمنح أيًا من المعسكرين طريقًا سهلًا إلى السلطة. فنتنياهو لا يمتلك الأغلبية اللازمة بمفرده، بينما تواجه المعارضة صعوبة في تحويل مجموع مقاعدها إلى تحالف متماسك.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الأحزاب العربية باعتبارها طرفًا قادرًا على التأثير في فرص تشكيل الحكومة، لكن حجم هذا التأثير سيتحدد بمدى توافق مواقفها مع بقية المعارضة، وباستعداد الأحزاب اليهودية لقبول التعاون معها.
وبين المفاوضات السياسية واحتمالات حكومة الوحدة أو الانتخابات الجديدة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح المعارضة في الاتفاق على بديل مشترك، أم تتحول خلافاتها إلى فرصة جديدة تتيح لنتنياهو الاستمرار في السلطة؟
الإجابة لن تحدد فقط هوية رئيس الوزراء المقبل، بل ستكشف أيضًا حدود قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إنتاج ائتلاف مستقر في ظل الانقسامات الداخلية وتباين المواقف بشأن القضايا الأمنية والوطنية.


