تتجه العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، بالتزامن مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر، وسط اهتمام إسرائيلي بتنامي الحضور الصيني في واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط أهمية من الناحيتين الاقتصادية والاستراتيجية.
وغادر شي بكين، الأحد، متوجهاً إلى قيرغيزستان للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، قبل أن يتوجه إلى مصر في زيارة دولة بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي. وتعد الزيارة الأولى لشي إلى القاهرة منذ عام 2016، وتتزامن مع مرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وأكدت الرئاسة المصرية أن مباحثات السيسي وشي ستتناول سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. ولا تزال تفاصيل الاتفاقات التي قد تنتج عن الزيارة قيد الترقب، لذلك لا يمكن اعتبار جميع المشروعات الواردة في التقارير الإعلامية اتفاقيات نهائية.
استثمارات صينية تتجاوز 10 مليارات دولار
ويأتي التحرك السياسي في ظل توسع اقتصادي واضح. وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أغسطس إن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، مع وجود شركات صينية في قطاعات تشمل الصناعة والطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والتعدين والزراعة.
وتعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إحدى أبرز ساحات هذا التعاون، خصوصاً منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» في العين السخنة، التي تستقطب شركات صناعية صينية وتدعم توجه القاهرة نحو توطين الإنتاج وزيادة الصادرات.
وفي ديسمبر 2025، وقعت «تيدا مصر» اتفاقيات مع ثلاث شركات صينية لإقامة مجمعات صناعية باستثمارات إجمالية بلغت نحو 1.15 مليار دولار في قطاعات ألياف البوليستر والإطارات والمنتجات الصحية.
كما تجرى مباحثات بشأن مشروعات صناعية أكبر، من بينها مجمع متكامل لإنتاج الألومنيوم في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تصل إلى ملياري دولار. وناقشت الحكومة المصرية المشروع مجدداً في أغسطس، ما يؤكد أنه لا يزال في مرحلة البحث والتفاوض وليس استثماراً منفذاً بالكامل.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
ولا يقتصر التوسع الصيني في مصر على الصناعة والبنية التحتية. فقد قدمت شركة هواوي مقترحاً للحكومة المصرية لإنشاء مراكز بيانات مخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ويتضمن المقترح استيراد أكثر من 2000 رقاقة للذكاء الاصطناعي، بينها رقائق مخصصة لتدريب النماذج وتشغيل تطبيقاتها.
ويعكس هذا المقترح دخول المنافسة التكنولوجية الصينية الأميركية إلى السوق المصرية بصورة أكثر وضوحاً، خصوصاً مع سعي القاهرة إلى توطين التكنولوجيا وتوسيع قدراتها في الحوسبة والذكاء الاصطناعي.
وفي البعد الاستراتيجي، تزامن تصاعد التعاون الاقتصادي مع تعزيز التعاون العسكري. ففي 22 أغسطس، بدأت في مصر فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام، وتضمن التدريب طلعات جوية مشتركة وتبادل الخبرات في التخطيط وإدارة العمليات الجوية.
قناة السويس في قلب الحسابات
وتكتسب الشراكة أهمية خاصة بسبب موقع مصر وقناة السويس، التي تمثل حلقة رئيسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك ينظر إلى توسع الاستثمارات الصينية في مصر باعتباره جزءاً من توجه أوسع لتعزيز التصنيع وسلاسل الإمداد وربط الشركات الصينية بالأسواق الأفريقية والأوروبية.
وفي المقابل، تراقب إسرائيل هذا التقارب باعتباره تطوراً مهماً في ميزان العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية في المنطقة، خصوصاً مع تزامن الحضور الصيني المتزايد مع تعاون مصري في مجالات التكنولوجيا والطاقة والصناعة والدفاع.
وبذلك لا تقتصر أهمية زيارة شي على توقيع اتفاقيات جديدة محتملة، بل تأتي في سياق تراكم استثمارات ومشروعات قائمة ومقترحة، تتجاوز قيمتها الإجمالية 10 مليارات دولار، وتدفع العلاقات المصرية الصينية نحو نموذج يقوم بصورة أكبر على التصنيع ونقل التكنولوجيا والتصدير، بدلاً من الاقتصار على مشروعات البنية التحتية التقليدية.


