في زمنٍ تتشابه فيه الأسئلة وتتكرر فيه التحديات، يعود بنا كتاب “دولة الظاهر بيبرس في مصر” إلى لحظةٍ فارقة من تاريخ أمتنا الإسلامية، حين امتطى رجلٌ من مماليك السوق صهوةَ المجد، فقاد الأمة إلى نصرٍ تلو نصر، وأعاد للخلافة هيبتها، وللمسلمين كلمتهم
هذا الكتاب ليس مجرد سردٍ تاريخيٍّ لسيرة سلطان، بل هو نافذةٌ على عصرٍ كاملٍ من الصراع والبناء والفتوحات
والكتاب من تأليف المؤرخ المصري الكبير محمد جمال الدين سرور، وقد صدرت طبعته الأولى عن دار الفكر العربي بالقاهرة عام 1960م، ويقع في نحو 181 صفحة، ويحتوي على خريطة مطوية تمثل سورية في عصر الملك الظاهر بيبرس، مع ثبتٍ للمصادر والمراجع في نهاية الكتاب
مقدمة
في تاريخ الأمم لحظاتٌ مفصليةٌ تُختصر فيها مسيرةُ قرون، ويُختزل فيها صراعُ حضارات، وتتحدد فيها ملامح مستقبلٍ بأكمله
ومن هذه اللحظات المفصلية في تاريخ أمتنا الإسلامية، تلك الحقبة التي تسلّم فيها المماليك رايةَ الجهاد بعد سقوط بغداد، وتكالبِ الصليبيين من الغرب، والتتار من الشرق
في خضمّ هذا العصف، برز اسمٌ من بين الركام، اسمٌ اقترن بالفتوحات والانتصارات والبناء، اسمٌ ظلّ يتردد على ألسنة العامة في سيرتهم الشعبية، وعلى أقلام المؤرخين في مدوناتهم: الظاهر بيبرس
وهذا الكتاب الذي نعرض له اليوم ليس مجرد سيرةٍ لسلطان، بل هو دراسةٌ علميةٌ رصينةٌ بقلم مؤرخٍ متخصص، غاص في المصادر الأصلية، واستخرج منها صورةً متكاملةً لدولةٍ قامت على أسسٍ من الجهاد والعدل والنظام، دولةٍ حكمت مصرَ والشامَ ردحًا من الزمن، وتركت في التاريخ الإسلامي أثرًا لا يُمحى
تلخيص الكتاب
يستهل المؤلف موضوعه ببحثٍ مستفيضٍ للحالة السياسية في مصر قبيل سلطنة بيبرس، فيبيّن العوامل التي أدّت إلى انتقال الحكم من أيدي الأيوبيين إلى المماليك، والظروف التي ساعدت على ازدياد نفوذ المماليك البحرية وعلى رأسهم بيبرس
ثم ينتقل إلى الحديث عن الموقف السياسي الداخلي في عهد الظاهر بيبرس، متناولًا الثورات الداخلية التي واجهت السلطان الجديد، وكيف استطاع أن يوطّد سلطته ويبني جبهته الداخلية
ويُفرد الكاتب مساحةً كبيرةً للسياسة الخارجية لمصر في عهد بيبرس، فيتحدث عن علاقاته بالصليبيين، وفتوحاته في بلاد الشام، وغزو جزيرة قبرس، وموقفه من المغول
ولا يغفل الكتاب جانب النظم والحضارة في مصر في صدر عصر المماليك، فيبحث تطور نظم الحكم والإدارة، ويبيّن الجهود التي بُذلت في سبيل إعداد قوة برية وبحرية لصد ما تتعرض له مصر من غارات الأعداء، كما يوضح مدى ما وصلت إليه مصر من تقدم في الميدان الزراعي والصناعي والتجاري وما أحرزته من رقي في الحياة العلمية والأدبية
أهم فصول الكتاب ومضمونها
إعلاء بيبرس سلطنة مصر وتوطيد سلطته
يفصّل المؤلف في هذا الفصل كيف وصل بيبرس إلى سدة الحكم، بدءًا من توليه سلطنة مصر بعد مقتل السلطان قطز، وتلقبه بالملك الظاهر، واستيلائه على رضا الرعية
ويذكر أن بيبرس دخل القاهرة وجلس في قلعة الجبل في السابع عشر من ذي القعدة سنة 658 هجرية، فكان ذلك إيذانًا ببدء فترة التأسيس والاستقرار لدولة المماليك البحرية بعد فترة تحول قلقة شهدت حكم خمسة سلاطين قبل أن يلي بيبرس الحكم
إحياء الخلافة العباسية
وهو من أهم فصول الكتاب، إذ يتناول رغبة بيبرس في إحياء الخلافة العباسية بمصر بعد سقوطها في بغداد على يد هولاكو
فقد استقبل بيبرس في القاهرة أميرًا ادّعى أنه من أبناء العباسيين، وبايعه بالخلافة في احتفال كبير
وكان قصد بيبرس من ذلك أن يمنح دولته صفة شرعية دينية تؤيد أعماله، لكن عندما حاول الخليفة التدخل في شؤون البلاد، عزله بيبرس وأنزله في البرج الكبير بقلعة الجبل
سياسة بيبرس الخارجية
ويتناول هذا الفصل موقف بيبرس من الصليبيين، ومن المغول، وعلاقاته بالدول المحيطة
ويبيّن كيف أن بيبرس نجح في استرداد أنطاكية من الصليبيين بعد احتلال دام مئةً وسبعين سنة، وكيف أنه أوقع بالمغول في معارك متعددة، حتى توفي وهو في طريقه إلى معركة الأبلستين ضدهم
النظم والحضارة في عصر بيبرس
ويبحث هذا الفصل تطور نظم الحكم والإدارة في عصر بيبرس، والجهود التي بُذلت في سبيل إعداد قوة برية وبحرية لصد ما تتعرض له مصر من غارات الأعداء
ويذكر المؤلف أن بيبرس لم تقتصر عنايته على العناية بالجيش فحسب، بل اهتم أيضًا بأمر الأسطول، فمنع الناس من التصرف في أخشاب السفن، وأعاد رجال الأسطول إلى الخدمة، وأمر ببناء عدد من الشوائي حتى تكامل عنده أسطولٌ كبيرٌ
اقتباسات من الكتاب
من أهم ما يميز هذا الكتاب أنه لا يكتفي بالسرد التاريخي المجرد، بل يعتمد على الاقتباس من المصادر الأصلية والمعاصرة، ومن ذلك ما نقله المؤلف عن المقريزي في حديثه عن الأسطول المصري، حيث قال: «وكان قد أهمل أمر الأسطول بمصر وأخذ الأمراء رجاله»
ويصف المؤلف اهتمام بيبرس بالعلم والعلماء، فيقول نقلاً عن المؤرخ أبي المحاسن: «وكان يقرب أرباب الكمالات في كل فن وعلم، وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلاً زائدًا ويقول: سماع التاريخ أعظم من التجارب»
ويورد المؤلف رسالة بيبرس إلى أمير أنطاكية بوهيمند السادس بعد فتح المدينة، والتي يقول فيها: «قد علم القومص فلان أكبر الطائفة العيسوية، والمنتقل إلى النفخة القومصية، ما كان من قصده طرابلس، وغروره له في عقر الدار… وكيف أحاطت تلك الكتائب من له بسط الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جعلت رؤوس الحناجر على جانب الثغر من الأحشاء كالجزائر، وكيف قتلت الرجال الأحرار، وكيف قضت الأشياء…»
أهم أقوال الكتاب
يبرز في الكتاب قولُ بيبرس نفسه: «سماع التاريخ أعظم من التجارب»، وهو القول الذي يدل على وعيه العميق بأهمية التاريخ في بناء الدول والأمم
كما يبرز وصف المؤرخين لبيبرس بأنه كان يقرب أرباب الكمالات في كل فن وعلم، وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلاً زائدًا
ويذكر الكتاب أن بيبرس كان ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بجزيرة الروضة ويشرف على بناء السفن ويرتب ما يجب ترتيبه، مما يدل على اهتمامه الشخصي ببناء القوة البحرية للدولة
أهمية الكتاب
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه من أوائل الدراسات العلمية الرصينة التي تناولت عصر الظاهر بيبرس بالتحليل والبحث، وهو بقلم مؤرخٍ متخصصٍ هو محمد جمال الدين سرور، الذي يُعدّ رائدًا من روّاد الدراسات التاريخية في العالم العربي
وقد اعتمد المؤلف على المصادر الأصلية والمعاصرة، فجاء كتابه مرجعًا مهمًا لكل من يريد أن يفهم تلك الحقبة الحرجة من تاريخ مصر والشام
كما أن الكتاب يقدّم صورةً متكاملةً للدولة المملوكية في عصر بيبرس، لا تقتصر على الجوانب السياسية والعسكرية، بل تمتد لتشمل النظم الإدارية والاقتصادية والثقافية، مما يجعله مرجعًا مهمًا لدراسة التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط
نقد الكتاب
رغم أهمية هذا الكتاب وقيمته العلمية، فإنه لا يخلو من بعض المآخذ التي يمكن أن تُذكر في إطار التقييم العلمي المنصف
من ذلك أن الكتاب يعتمد في بعض مواضعه على السرد التاريخي التقليدي، دون أن يقدّم تحليلًا نقديًا عميقًا لبعض القضايا الخلافية، كمسألة مقتل السلطان قطز ودور بيبرس فيها، والخلاف بين المؤرخين حول تقييم هذه الحادثة
كما أن الكتاب، بحكم أنه منشور عام 1960، لم يستفد من الدراسات البحثية اللاحقة التي كشفت عن جوانب جديدة في تلك الحقبة، خاصة تلك التي اعتمدت على الوثائق والآثار التي لم تكن قد درسّت بالشكل الكافي في ذلك الوقت
ومع ذلك، يبقى الكتاب مرجعًا أساسيًا لا يُستغنى عنه لمن يريد أن يفهم عصر بيبرس بشكل علمي ومنظم
كتب مشابهة
يمكن للقارئ الذي يريد التوسع في هذا الموضوع أن يعود إلى عدد من الكتب المهمة، منها كتاب “الظاهر بيبرس” للمؤرخ محمد جمال الدين سرور نفسه، وهو من الكتب المهمة التي تناولت سيرة بيبرس بشكل مستقل
وكتاب “سيرة الظاهر بيبرس” وهو العمل الشعبي الذي جمع بين الحقيقة والخيال، والواقع والأسطورة، وقد طبع في خمسين جزءًا
كما يمكن الرجوع إلى كتب التاريخ العامة التي أفردت فصولًا لبيبرس، مثل “تاريخ ابن واصل” صاحب كتاب “مفرج الكروب في أخبار بني أيوب”، و”وفيات الأعيان” لابن خلكان، وهما من المصادر المعاصرة لعصر بيبرس
ربط الكتاب بالواقع الآن
في واقعنا المعاصر، ونحن نرى ما تعيشه الأمة الإسلامية من تحدياتٍ وصراعات، يقدّم لنا كتاب “دولة الظاهر بيبرس في مصر” دروسًا بالغة الأهمية
فأولها أن النصر لا يأتي بالتمني، بل بالإعداد الجيد والقوة الرادعة، فقد أدرك بيبرس أن الغزو المغولي والصليبي لا يمكن ردعه إلا ببناء جيشٍ قويٍ وأسطولٍ قادر، فأنشأ ما يمكن تسميته بالمنظومة الدفاعية الشاملة
وثاني هذه الدروس: أن الوحدة والقيادة الحكيمة ضرورة للنجاة، فقد نجح بيبرس في توحيد مصر والشام تحت راية واحدة، وأحيا الخلافة العباسية كرمزٍ للوحدة الإسلامية، مما أعطى دولته شرعيةً دينية وقوةً معنوية في مواجهة الأعداء
والدرس الثالث: أن العدل والإحسان إلى الرعية من أهم أسباب قوة الدولة، فقد بدأ بيبرس عهده بتخفيف الأعباء عن الأهالي، وإطلاق المحبوسين، وإرسال الأقطاعات إلى الأمراء، فقرّب إليه القلوب ووطّد دعائم حكمه
وفي زمننا هذا، حيث تواجه الأمةُ تحدياتٍ لا تقل عن تلك التي واجهها بيبرس، تبقى سيرته نبراسًا يهدي الحائرين، ويذكّر بأن العظمةَ لا تُصنع في ساحات القتال فحسب، بل تُصنع أيضًا في مدارس العدل والإدارة والعلم
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
محمد جمال الدين سرور، مؤرخ مصري بارز، عاصر الفترة التي شهدت تحولات كبرى في مصر والوطن العربي
كان من أبناء جيلٍ رائدٍ في الدراسات التاريخية، درس في جامعة القاهرة، وعمل في مجال التدريس والبحث التاريخي
وقد ترك لنا عددًا من المؤلفات المهمة، من بينها كتابه هذا “دولة الظاهر بيبرس في مصر”، إلى جانب كتب ودراسات أخرى في التاريخ الإسلامي
ويجب التنبيه إلى أن هناك التباسًا بينه وبين مؤرخ آخر هو جمال الدين الشيال، الذي ولد في دمياط عام 1911، وتوفي عام 1967، وكان أستاذًا للتاريخ الإسلامي بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وله مؤلفات مهمة أخرى
الكتاب في ميزان الإسلام
من منظور إسلامي، يقدّم كتاب “دولة الظاهر بيبرس في مصر” صورةً إيجابيةً لسلطانٍ مسلمٍ جاهد في سبيل الله، ورفع راية الإسلام، ودافع عن ديار المسلمين
فقد كان بيبرس من القادة الذين جمعوا بين العلم والعمل، وبين القوة والعدل، وبين الجهاد والبناء
وقد أورد المؤلف في كتابه ما يدل على أن بيبرس كان يقرب العلماء ويشجعهم، وكان يعيّنهم في المناصب الكبرى، ويستشيرهم في الأمور المهمة، مما يدل على تقديره للعلم وأهله
كما أن الكتاب يبرز جانبًا مهمًا من سيرة بيبرس وهو إحياء الخلافة العباسية في القاهرة، وهو عملٌ له دلالته الدينية الكبيرة، إذ أعاد للأمة رمزًا من رموز وحدتها، وربط حاضرها بماضيها العريق
ومع ذلك، فإن المسلم المنصف لا يغفل عن بعض الجوانب التي قد تحتاج إلى مراجعة، كمسألة مقتل السلطان قطز، وهي مسألة خلافية بين المؤرخين، وتبقى في دائرة الاجتهاد التاريخي
لكن يبقى الرصيد الجهادي لبيبرس حافلًا بالانتصارات التي خدمت الإسلام والمسلمين، من عين جالوت إلى فتح أنطاكية وقبرس، وهي فتوحاتٌ يحقُّ لكل مسلم أن يفتخر بها