بقلم: د. غياث الإسلام الصديقي الندوي
العلامة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي (2023-1929م) هو رئيس ندوة العلماء بلكناؤ، ورئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية سابقاً، وقبل ذلك رئيس مكتب الرابطة في شبه القارة الهندية، ورئيس هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين في عموم الهند.
وكان عُيّن رئيس قسم اللغة العربية بجامعة ندوة العلماء عام 1955م، وأسس جريدة الرائد نصف الشهرية عام 1959م، والتي لا تزال تصدر عن جامعة ندوة العلماء، وتولى إدارة جامعتها عام 1993م. وله عطاءات ثرية وخدمات جليلة في الأدب الإسلامي وتنشيط رابطتها في أرجاء الهند وخارجها، وكان خلفاً رشيداً لخاله العلامة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، بحيث خلفه في رئاسة جامعة ندوة العلماء، وفي العديد من الأوساط العلمية والتربوية.
وبجانب نشاطاته العلمية والفكرية، أغنى المكتبة الأدبية والفكرية بمؤلفات باللغتين العربية والأوردية، يربو عددها على الخمسين، ومنها: «أضواء على الأدب الإسلامي»، و«الأدب الإسلامي وصلته بالحياة»، و«رسالة المناسبات الإسلامية». وتاريخ الأدب العربي – العصر الإسلامي» والثقافة الإسلامية والواقع المعاصر»، و«قيمة الأمة الإسلامية ومنجزاتها»، و«منثورات في أدب العرب»، و«الأدب العربي بين عرض ونقد»، والغزل الأردي: محاوره ومكانته في الشعر»، وما إلى ذلك من المؤلفات العلمية والأدبية.
أضواء على الأدب الإسلامي:
هذا الكتاب يضم اثنتين وعشرين مقالة قدم الشيخ محمد الرابع الحسني بعضها في ندوات علمية وأدبية، وبعضها افتتاحاً لأعداد الصحيفة العربية الناطقة لرابطة الأدب الإسلامي العالمية.
وجاء الكتاب في (142) صفحة، ومن أهم مقالاته: «نعمة البيان التي من الله تعالى بها على الإنسان»، و«نظرة إسلامية إلى الأدب»، و«السمة الإسلامية والأدب»، و«مسيرة الأدب الإسلامي و«الأدب تهذيب وإيناس لا تخميش وإهانة وليس الأدب محصوراً في الهوى والشباب و«موافقة الكلام الأدبي للوضع النفسي»، و«بين التعقيد والوضوح»، و«الكلمات بين معانيها ومفاهيمها: دراسة مذاهب الأدب الغربية بعيداً عن مركب النفس».
وفي بيان ميزات الأدب الإسلامي يصرح العلامة المؤلف بأن الأدب في الإسلام إنساني التصور طبيعي الوضع جميل الأداء، وساق أمثلة لذلك من سيرة رسول الله ﷺ: أنه قال عندما توفي نجله الكريم إبراهيم: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». وقال في صلح لم تكن النفوس في باطنها راضية به: «هدنة على دخن»، وقال الحادي الإبل التي تركيها النساء: «رفقاً بالقوارير» (1).
يتعرض المؤلف الحدود الأدب الإسلامي، ويؤكد أنه واسع كسعة الحياة الإنسانية، فيه دقة كدقة الحياة البشرية، وروعة كروعة الأزهار الجميلة والرياحين الفاتحة، وليس فيه حجر وتضييق جائر، بل إنما هو ملاءمة بين الفن وبين الإنسانية الصافية. إنه أدب يؤدي عمله بكرامة، ويلعب دوراً تتطلبه أمال الإنسان اللائقة، وهو يتلاءم مع حاجاته ومصالحه، إنه ينهل من المنهل القرآني المتدفق بالروعة والجمال والتأثير أولاً، ثم يقتبس من البيان النبوي الرائع الحافل بالتصور الإنساني البليغ، وبالتعبير المؤثر الجميل، ثم يقتبس من كل نموذج أدبي يتلاءم مع القيم الأدبية الصافية التي انبثقت من نماذج أصحاب الأساليب البليغة من المسلمين في مختلف أصناف الأدب ومجالاته المتنوعة (2).
وفي إحدى مقالات الكتاب جاء الحديث عن قضية الالتزام، وعلى حد تعبير المؤلف: «أما الالتزام في الأدب الإسلامي فهو رحب رحابة شاملة، واسع سعة هذا الكون والحياة، فقد وضع رسول الله ﷺ زعيم الأدب الإسلامي الأول، وقدوته المثالية مبادئ التضامن البشري والتألف الإنساني عندما أمر بالإحسان إلى ذوي الحاجة وبصلة الرحم لذوي القربى، وأداء حق الجار وإن كان مخالفاً ومخاصماً، ولم يكتف بهذا، بل تجاوز بأمره بإسداء المعروف إلى عالم الحيوانات وذوات الأرواح، فقد سئل عن السلوك مع الحيوان فقال: «لكم في كل كبد رطبة أجر».. هذه التوجيهات والأوامر إنما تصوغ حياة المسلم ومنها يتكون التزامه سواء كان أديباً أو غير أديب فالتزام الأديب المسلم يراعي خير الإنسانية كلها، فهو رحب وفاضل» (3).
وعلى هذا المنوال تتحدث مقالاته عن الأدب الإسلامي وسمته ومسيرته وقيمته وفكرته، والفرق بينه وبين الأدب الجاهلي، كما كتب دراسة تقارن بين الأدب الإسلامي والمذاهب الأدبية الغربية وتلقي ضوءاً مستفيضاً على شغف العلامة السيد سليمان الندوي، والشاعر عمر بهاء الدين الأميري بالأدب الإسلامي، وكل ذلك بأسلوب أدبي يتميز بالوضوح والسهولة.
الأدب الإسلامي وصلته بالحياة
يعرض المؤلف فيه وجهة النظر لعامة الناس حول الأدب أن كثيراً منهم يظنون أن الأدب إذا كان جاهلياً فاسقاً كان عريقاً في أدبيته، وإذا كان دينياً لم يستحق أن يُدعى أدباً، لأنه خلا من المتعة واللهو، ثم يرد الأستاذ على ذلك أن الأدب قد يكون فاسقاً، ولكن الفسق ليس من مقومات الأدب، ولا من خصائصه اللائقة، مهما كثر ذلك في النصوص الأدبية، ومهما اشتد إقبال الناس عليه، كما أن الأدب قد يغلب عليه طابع الدين ويصبغه بصبغته، ولكن ذلك لا يفقده القوة والجمال (4).
وبالتالي يأتي ذكر علاقة الإسلام بالأدب أنه قد يكون مغلوباً بالصبغة الدينية كما يكون في الابتهالات والدعاء والوعظ الديني، وقد يكون في إطار الحياة العامة الملتزمة بالإسلام، والحياة في الإسلام حياة واسعة، تتسع مع تنوع الحاجات الإنسانية وأحوالها وشؤونها، ولذلك لا يعجز الأدب في الإسلام عن تلبية حاجات الإنسان الطبيعية، ولا عن التمثيل لصور الحياة الإنسانية المتنوعة الكثيرة) (5).
ومما لا مراء فيه أن رحابة الإسلام قد جعل أفاق الأدب رحبة، وعلى حد تعبير العلامة محمد الرابع: إن الدين الإسلامي لم يكن ديناً قاصراً محدوداً في العبادات وحدها حتى يقال عنه: إنه إذا سايره أدب كان أدباً منحصراً في العبادات وحدها، بل إنما الإسلام هو الدين الفريد الذي اتسع كاتساع الإنسان، وامتد كامتداد حياته، ولم يتعارض إلا مع ما يتعارض مع مصلحة الحياة الإنسانية ذاتها ومع ذوقها الجميل، وإنه إذا تعارض فيتعارض مع عمليات الهدم والإخلال بصالح الإنسان وإنسانيته. فلم يكن للعمل الأدبي أن يجد صعوبة في منادمة الإسلام ومسايرته، ولم يكن له عائق عن أن يجد تحقيقاً لأهدافه في تصوير جوانب الحياة المتلائمة مع الإسلام» (6).
يتحدث الكتاب عن ميزات الأدب الإسلامي وسعته، ويبرز موقف الإسلام من الأدب والشعر ويعرض نماذج رائعة وقطعاً بيانية خالدة من كلام الرسول. وأصحابه رضي الله عنهم، ويشير إلى جوانبه البلاغية والنفسية والدعوية. ويشتمل على (96) صفحة، وهو على وجازته غني بالمواد البلاغية التاريخية، دافق بالحيوية، والقوة، والرشاقة.
رسالة المناسبات الإسلامية
هذا الكتاب يضم اثنتين وعشرين مقالة أدبية كتبها الأستاذ محمد الرابع الندوي بمناسبات إسلامية مثل الإسراء والمعراج، وشهر رمضان وعيد الفطر، وعيد الأضحى، والحج، والهجرة وشهر ربيع الأول، ويشتمل على (135) صفحة.
وقد وضح المؤلف مغزى الكتاب في كلمته قائلاً: «فعلينا أن ننظر إلى مناسبات تتصل بعواطفنا الإنسانية أو تحمل لنا سروراً بما قرر الله تعالى فيها من نفعيها الديني والشعوري كليهما، ونستفيد منها ما ينفعنا دينياً ودنيوياً، فبذلك تصبح المناسبات الدينية ذات وجهين وجه دنيوي محبوب للنفس، ووجه ديني يرجى فيه الأجر من الله تعالى (7).
ويستلهم العلامة محمد الرابع الندوي معاني الوحدة من مناسبة العيد فيقول: «إنه يبرز ويمثل نواحي الوحدة التي يرتبط بها الكيان الإنساني ويتكون بها المجتمع البشري من وحدة العقيدة ووحدة الكلمة، ووحدة الفكر، ووحدة العبادة ووحدة العمل والأخوة، وروح المؤاساة والمساواة بين مختلف طوائف وطبقات الإنسانية الاصطناعية التي تقوم على أساس مستوى المعيشة، والحالة الاقتصادية، والمستوى الفكري السياسي والعلمي، فتزول هذه الفوارق يوم العيد والأيام المتتالية، فعندما يقوم المسلمون بتأدية الصلاة فإنهم يمثلون بها أعظم وأمثل دور المساواة البشرية والخضوع أمام قدرة الخالق»(8).
وكذلك ألقى ضوءاً على بداية عام جديد، فقال: «إن تحوّل عام سابق إلى عام جديد ليس حادثاً غريباً، بل قد يكون أهون من تحول من يوم سابق إلى يوم جديد ولكن مع ذلك يمكننا أن نستفيد منه استفادة كبيرة، ونستغله استغلالاً لمصالحنا الاجتماعية وهذه الاستفادة هي أن تراجع حساب حياتنا وأعمالنا عند تحول عام إلى عام جديد، ونتزود بما يحصل من هذا الحساب لعامنا الجديد، وذلك بمثل ما يحاسب التاجر في المساء ما ربحه وما خسره طيلة يومه، أو يحاسب في نهاية عامه الاقتصادي موارده ومصاريفه ليبني على هذا الحساب منهجه للعام الجديد، وهو الذي نسميه بالتخطيط أو ما يشبه ذلك(9).
فالكتاب حافل بتوجيهات رشيدة، وإرشادات سديدة، واستلهامات رائعة من المناسبات الإسلامية، ويوضح معاني الإخلاص والاحتساب والتضحية والإيثار، ويقدم تحفة غالية للمعنيين بالأدب والثقافة، ويجد فيه القراء متعة أدبية للغاية، وغذاء تربوياً للنفس والشعور
في ظلال السيرة
يؤكد المؤلف فيه على أن أدعية رسول الله حافلة بأمثلة رائعة للأدب، يخاطب فيها رته ويناجيه مناجاة تبتل وانقطاع، ليس بينه وبين ربه حجاب، وهو عارف بمقام ربه، وعارف بضعف المخلوقات والإنسان أمامه، إنه يعرف عن نفسه أنه رسول حقاً، ولكنه يعرف أنه عبد كذلك فحينما يكون أمام الناس تفرض عليه أن يقوم بالدعوة والتوجيه ويبلغهم رسالة ربهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، ولكنه حينما يخلو علامة الا بنفسه، وينظر إلى عجزه واحتياجه أمام الله وافتقاره إلى نصرته في كل حال، فيناجي ربه، ويدعوه دعوة بائس ملهوف بالشعور العبدي الخالص، ويجند في هذا المجال طاقاته التعبيرية والبيانية فكيف لا تكون أدعيته قطعاً من البيان المعجز المشرق، والرسول عليه السلام أبلغ العالمين(10).
وعلى هذا المنوال يعتبر العلامة محمد الرابع الندوي «السيرة النبوية» لابن هشام كتاباً أدبياً، ويقول: «إنه كتاب أدب كما هو كتاب سيرة، وما الأدب غير التعبير عن الحياة تعبيراً صادقاً جميلاً، وتعبيراً قوياً رائعاً؟ يجب أن ندرس هذا الكتاب ككتاب سيرة، وندرسه ككتاب أدب، ويجب أن ندرس هذا الكتاب كمرآة صافية لحياة مثالية كريمة، ونقتبس منه جذوة الإيمان والنور الرائع الذي يشع من حوادث الكتاب وأحواله» (11).
ينقسم الكتاب إلى قسمين:
أولهما يقدم الكلمات التي نشرت بمناسبة ربيع الأول في صحيفة الرائد
والقسم الثاني مجموعة من البحوث التي قدمها العلامة المؤلف في الندوات العلمية،
ويشتمل الكتاب على (188) صفحة، وفيه تتضح عدة جوانب مهمة من السيرة النبوية بالإضافة إلى نماذج أدبية رائعة، ودرر الحكمة والموعظة، والميزات التي يصل بها البشر إلى ذروة المجد والكرامة من الرأفة والعفو والصفح، والحلم والأناة والصبر، والنصح للآخرين، والشعور بالمسؤولية.
تاريخ الأدب العربي – العصر الإسلامي:
في هذا الكتاب جاء الحديث عن أصول الأدب الإسلامي، حيث يلقي ضوءاً على نظرة الإسلام إلى الأدب، واعتناء الصحابة بالشعر، ويتحدث عن الأدب المأثور، وظروف الحياة الجديدة وأسلوب القرآن، وموافقته للنفسية والوضع وتنوع عباراته حسب المقتضى والمعنى، وضرب الأمثال، وتصوير المعاني والمشاهد، وفروق المعنى ودقائقها، والتشريع، والقصص، والموعظة، وتأثير القرآن في الأدب.
وتم التعرض لكلام محمد رسول الله، وخصائص كلامه وأصنافه، وتمثيلاته، وخطابته وأدعيته، وأقواله السائرة. كما عرض الكتاب نصوصاً في النثر الفني لعدد من الصحابة بمن فيهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب بالإضافة إلى سيرتهم وأخلاقهم ونماذج لخطبهم.
وبالتالي يجري الحديث عن أهمية الشعر في صدر الإسلام وشعراء ذلك العهد، وتقدم نماذج من شعرهم في الحماسة والفخر والمديح، وفي الاعتذار والاستعتاب والعتاب، وفي الغزل والشباب، وفي الحكمة والرثاء، ثم يبدأ الحديث عن أعلام الشعراء مثل عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم شعراء الرسول ﷺ، من الأنصار، وكعب بن زهير ونماذج شعرهم.
وفي بيان المفهوم الاسلامي للأدب يوضح العلامة محمد الرابع الندوي أن الشعر والأدب إذا تقيدا بحدود النزاهة الإسلامية النابعة من القرآن والسنة، وأدب الصحابة، ولم يقعا فيما نهى الإسلام عن الوقوع فيه، من هتك الأعراض والعبث بالفساد، فهما مقبولان في نظر الإسلام وإلا فهما خارجان من الإطار الإسلامي، ويبعدان عنه بمدى بعدهما عن الالتزام بروحه وإسلاميته.
وعلى كل فإن الإسلام لم يعارض الأدب ولم يتخل عن مجال من مجالاته الكثيرة إلا في حدود التزامه بالحق والنزاهة، ونفيه للانحراف والعدوان، وبه يتعين المفهوم الإسلامي للأدب، ويظهر منهجه المسايرة الحياة وتمثيلها، ويتبين أيضاً أن الأدب المشتمل على هذا المفهوم لا يعجز عن المعالجة الفنية لأي جانب من جوانب الحياة، ولا عن تأدية رسالة الأدب الموكولة إليه غير أن هدف الأدب الإسلامي المفضل هو التعبير عن الحياة للبناء والإصلاح، حينما نجد هدف الأدب الجاهلي المفضل هو تحقيق مأرب الحياة التافهة ومساعدتها بكل وسائل العربدة والاختباط، وذلك لأن الإسلام لا يرضى بالحرية والتمتع بملاذها التي تكون متعة ولذة لواحد وهتكاً واعتداء على الآخر، أو إفساداً وهدماً السلامة الإنسانية وخيرها (12).
وفي هذا السياق يذكر شرط أسامي للأدب الإسلامي؛ أن الأدب يعتبر في الإطار الإسلامي ما دام خالياً مما نهى الله ورسوله عنه، ورضي الرسول ﷺ بهذا القسم من الأدب، فقد استمع إلى شعر العهد الجاهلي، ونثر العهد الجاهلي من دون أن ينعى عليه، إنه رضي بشعر كعب بن زهير، وأعطاه جائزة عليه، واستمع إلى زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بحديث أم زرع وقال في آخره: «أنا لك كأبي زرع لأم زرع»، وجرى على سنته خلفاؤه، كما ظهر من استماع سيدنا عمر بن الخطاب لقصيدة رثاء متمم بن نويرة أخاه مالكاً، ورغبته لقول مثل هذا الرثاء لأخيه زيد أيضاً، وطلبه من أولاد هرم بن سنان أن ينشدوا شعر زهير في مدح أبيهم وثنائه عليه (13).
جاءت مضامين هذا الكتاب في قسمين: أولهما يتحدث عن صدر الإسلام فيلقي ضوءاً على الحياة العربية قبل ظهور الإسلام، والوضع الاجتماعي والأمية مع البراعة اللغوية والأدبية، والتمتع بالهوى والرغبات والنظرة إلى المروءة وطلب الشهرة، والسخاء والشجاعة، وظهور الإسلام ومبادئ دعوته، ويتحدث القسم الثاني عن الأدب وأسسه وأصنافه في العهد الأموي، ويلقي ضوءاً على العوامل والمؤثرات، والخلفية الاجتماعية والسياسية والحالة الاقتصادية والثقافية بالإضافة إلى عرض نماذج أدبية لعديد من أعلام ذلك العهد. ويشتمل الكتاب على (184) صفحة.
منثورات من أدب العرب
هو يضم ثمانية وأربعين من المقتبسات الأدبية استخرجها العلامة محمد الرابع الندوي من بطون أمهات كتب الحديث النبوي والسيرة النبوية بالإضافة إلى المؤلفات الأدبية والفكرية بما فيها «كليلة ودمنة» لابن المقفع، و«كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني، و«الإمامة والسياسة» لابن قتيبة، و«العقد الفريد لابن عبد ربه، و«صفة الصفوة لابن الجوزي، ووفيات الأعيان» لابن خلكان، و«الوعد الحق» لطه حسين فجاء الكتاب في (190) صفحة، وأعده العلامة
محمد الرابع على غرار كتاب «مختارات من أدب العرب» للعلامة أبي الحسن الندوي، فاهتم بعرض نماذج أدبية من العصر الإسلامي الأول إلى العصر الحديث.
وقد بين الأستاذ محمد الرابع غاية تأليفه.. أنه أعده تحقيقاً لرغبة واضعي المناهج الدراسية في ندوة العلماء في أن توضع مقررات دراسية وفقاً لفكرة ندوة العلماء للتربية والتعليم، وهي الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع لتنشئة الجيل الإسلامي الجديد على الإيمان والصلاح والعلم لما ينفعه في الدنيا والآخرة ليكون كل فرد من أفراده قوياً في شخصيته، راسخاً في علمه حكيماً في عمله» (14).
ويقول بعد سطور: «وكان تأليف كتاب أسهل من «مختارات من أدب العرب» من مسؤوليتي ليكون بمثابة مدخل إلى كتاب سماحة الشيخ أبي الحسن الندوي: «مختارات من أدب العرب»، وسميته منثورات من أدب العرب»، وأحمد الله تعالى وأشكره على أن هذه الجهود نالت قبولاً واسعاً في المدارس والجامعات (15).
ويلقي العلامة أبو الحسن الندوي ضوءاً على منهج المؤلف فيه، فيقول: «إنه اقتبس من كتب السيرة والتاريخ والأدب والدين قطعاً نابضة مشرقة الديباجة، واضحة الفكرة، إسلامية النزعة، تغذي الملكة الأدبية والعاطفة الدينية في وقت واحد، وتمثل الأخلاق العربية الفاضلة والحضارة الإسلامية المثلى، وقد جمع فيه المؤلف بين النثر البليغ، والشعر الرقيق، والأدب القديم، والأدب الحديث. فجاء كتابه مجموعه جامعة تغرس في قلوب الناشئة حب هذه اللغة الكريمة التي يدرسونها، وحب الأخلاق والأغراض التي يحملها أدبها، وحب المجتمع الذي عاشت فيه هذه اللغة وأدابها، ويدفعهم إلى تقليد هذه الأساليب الأدبية السهلة الطبيعية، ويرون أن كل ذلك ميسور، فنشأ فيهم الثقة بنفوسهم وبدينهم ولغتهم وقريحتهم (16).
الأدب العربي بين عرض ونقد:
يشمل هذا الكتاب ثلاثة محاور رئيسة وهي: حقيقة الأدب، والتحليل والنقد، ونماذج الأدب العربي، ويعرض النصوص الأدبية من الأدب الجاهلي، وعصر الأدب الإسلامي الأول، وعهد المدنية والحضارة، الدين الامان والنهضة الحديثة.
وفي بيان دور الإسلام في الأدب، يبين الأستاذ المؤلف تأثير القرآن الكريم في أدب العهد الإسلامي، وعلى حد تعبيره كانت نماذج النص القرآني المحكم العزيز الرائع أعظم مدد للنثر الفني الجديد، وهي المثل الأعلى للمناهج الأدبية الجديدة النقية التي أحبها الله تعالى لعباده المسلمين، وتلقين أيضاً بما يجب أن يؤديه الأدب الإسلامي من دور في العالم لبناء الحياة الإنسانية الهادفة النبيلة» (17).
ويقول الأستاذ أحمد الجندي في كلمة تعريف به: «هذا الكتاب مجموعة من الدروس التي ألقاها المؤلف على تلامذته في دار العلوم بلكناؤ، وقد تناول فيها شرح اختلاف الأساليب الأدبية العربية في مختلف أدوار التاريخ العربي، كما تناول التعريف بأصحاب هذه الأساليب مع بيان القيمة الأدبية لكل أسلوب» (18).
وجدير بالذكر أنه من المؤلفات الأولى التي ألفت حول الأدب العربي ونقده في شبه القارة الهندية وصدرت طبعته الأولى عام (1385 هـ = 1965م)، ويشتمل على (251) صفحة، ومنذ ذلك الحين لا يزال داخلاً في المقرر الدراسي لعدد من الجامعات في الهند وخارجها.
الغزل الأردي: محاوره ومكانته في الشعر:
يوضح العلامة محمد الرابع الندوي : أن الغزل قد توسع في الفارسية والأردية في موضوعه، وتجاوز إطار إظهار أحوال الصبوة والعشق من كونه قاصراً بهذه الأحوال، وتوسع إلى كونه أداة تعبير عن أحداث الحياة وتجاربها النفسية المختلفة، فأصبح الشاعر يختاره لبيان كل ما يختلج في قلبه من مشاعر نحو وقائع نفسه، ونحو سلوك غيره النفسي معه، وذلك بصورة تلقائية، واتخذ من الإطار الغزلي شكلاً تعبيرياً لمعاناته يتحدث فيه عما يختلج في قلبه من معاناته من أحوال الحياة التي يمر من تجاربها، ومن سلوك غيره منه، وعن قسوة الظروف الطارئة له، أو لمجتمعه وبيئته (19).
جاءت مضامين الكتاب في ستة عناوين رئيسية
أولها: الشعر الغزلي ودوره في العربية والفارسية وغيرهما،
والعنوان الثاني: أمثلة من شعراء الغزل في الفارسية، وهم جلال الدين الرومي، والشيخ سعدي، وأمير خسرو الدهلوي، وخواجه حافظ الشيرازي، وعبد الرحمن جامي، والشاعر فغاني.
والعنوان الثالث: شعر الغزل في الأردية
والعنوان الرابع: نماذج للغزل الأردي في دوره الأول، وجاءت فيه نماذج الغزل لكل من سراج الدين سراج والميرزا مظہر جان جانان والميرزا محمد رفيع سودا، وخواجه میردرد ومير محمد تقي مير ومحمد إبراهيم ذوق، والملك بهادر شاه ظفر والميرزا أسد الله خان غالب
والعنوان الخامس الغزل الأردي في عهد الأحداث والاستعمار ورجالات الغزل فيه، وهم ألطاف حسين حالي، والعلامة شبلي النعماني، وأكبر حسين إله آبادي، ومحمد إقبال،
والعنوان السادس: العهد الحديث وأثره على الشعر، وهو يقدم نماذج الشعر لجكر مراد آبادي، وكليم عاجز.
ومن شعراء اللغة الأردية يمتاز أكبر إله أبادي بأنه اختار طريق النقد والتهوين بالحضارة الغربية والسخرية بآثارها وأحوالها، ولكن برزانة وبراعة وتعبير رائع، فيقول: «فإن صدرت منا أهة واحدة يقع علينا اللوم، أما هو فلا يلام، ولو سفك الدماء». ويقول: «لك طريق عجيب للإحسان والإسعاف، أنت التي تأتين بالمرض إلي، ثم تأمرين بالعلاج؟» (20).
ومنهم ألطاف حسين حالي الذي قرض ملحمة إسلامية باللغة الأردية بعنوان: «المد والجزر في الإسلام»، وهي معروفة بـ«مسدس حالي»، وقد تلقاها الناس بالقبول، وسارت مسير الأمثال في البلاد، وطبعت مراراً لا تحصى، ذكر فيها ظهور الإسلام وما له من فضل على الإنسانية، وذكر البعثة المحمدية، والشخصية النبوية في أسلوب معجب مطرب، وذكر الصحابة والعرب، وما لهم من فضل في إحياء العلوم والحضارة، ثم ذكر انحطاط المسلمين، وصور المجتمع الإسلامي المعاصر تصويراً دقيقاً صادقا (21).
يشتمل الكتاب على (135) صفحة، وهو مجموعة مقالات كتبها العلامة محمد الرابع الندوي في مناسبات مختلفة حول شعراء اللغة الأوردية، وأضاف إليها مقالات وبحوثاً وتراجم شخصيات حتى تتشكل هذه المجموعة في كتاب أدبي قيم.
غبار کاروان
هو مجموعة (31) مقالة كتبها العلامة محمد الرابع الندوي باللغة الأوردية حول الأدب الإسلامي، وموضوعات علمية وأدبية متنوعة تتحدث عن نشأة رابطة الأدب الإسلامي وأهدافها ودوافعها وعالميتها، وإسهام الأدب الإسلامي في حركة الاستقلال وإصلاح المجتمع ودور الأدب في الوعي الإسلامي، يشتمل الكتاب على (134) صفحة، ويتعرض أيضاً لقوة الأدب وتأثيره في الحياة، والميزة الأدبية للحديث النبوي، وعلاقة اللغة والأدب بالدين والثقافة، والحركات الأدبية الموجودة في أوروبا، وأدب الأطفال، وهلم جرا.
وقد أوضح المؤلف أن عدداً ملحوظاً من المؤلفات حول موضوعات مختلفة، تتجلى فيها كثير من الملامح الأدبية، ومنها المفصل» للزمخشري و «شرح شذور الذهب»، و«شرح قطر الندى
لابن هشام، ودلائل الإعجاز» و«أسرار البلاغة» العبد القاهر الجرجاني، و«لسان العرب» لابن منظور، و«حجة الله البالغة» لشاه ولي الله الدهلوي، و«إحياء علوم الدين للإمام الغزالي كلها ألفت مع رعاية مقتضيات الأدب، مما أدى إلى زيادة فائدتها وفعاليتها بشكل كبير (22).
قيمة الأمة الإسلامية ومنجزاتها:
يتحدث هذا الكتاب عن قيمة الأمة الإسلامية ومكانتها بين الأمم، وقيامها بأداء رسالتها، كما يلقي ضوءاً على أهمية الثقافة في حياة الأمم والازدواجية التي أصيبت بها الأمم الشرقية والعصبيات الدينية والطائفية السائدة على المراكز الثقافية الغربية وبجانب ذلك يوضح نظام الثقافة الإسلامية التي تؤكد أهمية الأخلاق والمساواة وصلة الرحم، وتؤثر في الحياة الاجتماعية. ويتطرق المؤلف إلى استعراض إستراتيجية الثقافة الإسلامية في طرق التوجيه والتربية (23).
جاءت مضامين الكتاب في سبعة عناوين رئيسة، وهي: «وسطية الأمة الإسلامية ودلالة القرآن والسنة عليها»، و «خصائص هذه الأمة ومسؤولياتها»، و «مجالات عظمة الأمة الإسلامية وميزاتها وخصائصها»، و«الصحوة الإسلامية عواملها وأسبابها»، و «وضعية العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي اليوم»، و«في سبيل منهج سليم للثقافة الإسلامية»، و«المسلم ومكانته في نظر الدكتور محمد إقبال». ويحتوي الكتاب (159) صفحة.
الثقافة الإسلامية والواقع المعاصر:
يتحدث العلامة محمد الرابع الندوي فيه عن الأمة الإسلامية، وأدلة القرآن والسنة على وسطيتها، والصحوة الإسلامية وعواملها وأسبابها في شبه القارة الهندية بوجه خاص، ووضعية العلوم الإنسانية في العالم الإسلامي، والجامعات ومراكز البحوث وتأثيرها على الحياة، وجاء الكتاب في (76) صفحة (24).
هذه دراسة سريعة واستعراض موجز لمؤلفات العلامة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي في الأدب الإسلامي، ومن يتصفحها يجد أنه أدى دوراً ملموساً في ترويج الأدب الإسلامي بكتاباته الأدبية المتنوعة، وأوضح عدة ميزات للأدب الإسلامي وعرض نماذج رائعة منه عبر أدوار التاريخ، وقدم درراً أدبية، وآراء سديدة، وتوجيهات رشيدة لتهذيب النفس، وتنوير الذهن، وتربية العقل والشعور وأبرز مزايا أدبية لعدد من الأدباء الإسلاميين، وبذلك قام بخدمة عظيمة للأدب والفكر، وأضاف بها ثروة رائعة إلى المكتبات العربية الأدبية والعلمية والفكرية، ولا يزال يستفيد بها الأدباء والمفكرون إلى زمن بعيد.
الهوامش
1- الندوي، محمد الرابع الحسني أضواء على الأدب الإسلامي، ملتزم النشر والتوزيع، رابطة الأدب الإسلامي العالمية، لكناؤ عام 1423هـ -2002م، ص9.
2- المصدر نفسه، ص 10.
3- المصدر نفسه، ص 62.
4- الندوي، محمد الرابع الحسني: الأدب الإسلامي وصلته بالحياة، مؤسسة الرسالة، بيروت، عام 1405هـ = 1985م، ص 5-6.
5- المصدر نفسه، ص 6.
6- المصدر نفسه، ص 19.
7- الندوي، محمد الرابع الحسني: رسالة المناسبات الإسلامية، دار عرفات، راي بريلي (الهند)، عام 1424هـ – 2004م، ص2.
8- المصدر نفسه، ص 65
9- المصدر نفسه، ص 115.
10- الندوي، محمد الرابع الحسني: في ظلال السيرة، المجمع الإسلامي العلمي، لكنهؤ، ط2، عام 1432هـ = 2011م، ص167.
11- المصدر نفسه، ص 139
12- الندوي، محمد الرابع الحسني: تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، مؤسسة الصحافة والنشر، ندوة العلماء، لكناؤ، ط2، عام 1419هـ = 1998م، ص 26.
13- المصدر نفسه، ص 26-27.
14- الندوي، محمد الرابع الحسني منثورات من أدب العرب مؤسسة الصحافة والنشر، ندوة العلماء، لكناؤ، عام 1433هـ =2012م، ص 17.
-15 المصدر نفسه، ص 18.
16- المصدر نفسه، ص .7
۱۷ – الندوي، محمد الرابع الحسني الأدب العربي بين عرض ونقد، ط ، مؤسسة الصحافة والنشر ، ندوة العلماء ، لكناؤ، عام 1424هـ = 2003م ، ص 85.
۱۸ – المصدر نفسه، ص3 .
١٩- الندوي محمد الرابع الحسني: الغزل الأردي: محاوره ومكانته في الشعر، مكتب رابطة الأدب الإسلامي العالمية لشبه القارة وما يجاورها، لكناؤ، عام 1426هـ – 2006 م، ص 64.
20 -المصدر نفسه، ص 69.
21- المصدر نفسه، ص 96.
22 -الندوي، محمد الرابع الحسني: غبار كاروان» (باللغة الأوردية)، ط 2، شعبة نشر واشاعت عالمي رابطه أدب إسلامي، لکناؤ، 1426هـ = 2005م ، ص 78.
23 -قيمة الأمة الإسلامية ومنجزاتها، نشره المجمع الإسلامي العلمي، لكناؤ، عام 1423هـ – 2002م.
24 -الثقافة الإسلامية والواقع المعاصر، نشره دار الصحوة القاهرة، عام 1410هـ – 1990م.







