في لحظة فارقة من تاريخ الكاميرون، انفجرت شوارع البلاد بالاحتجاجات بعد الانتخابات الرئاسية لأكتوبر 2025، لتتبدد بسحب الدخان أسطورة الاستقرار السياسي الذي صنعه نظام بول بيا لعقود.
وفي هذه الأجواء وبحسب الخبير في الشئون الإفريقية سلطان البان لم يعد السؤال اليوم عن فوز أو خسارة، بل عن مصير وطن يترنح بين قبضة سلطة مترهلة وطموحات معارضة متوثبة، وسط مشهد ينذر بانزلاق البلاد نحو مفترق خطير؛ إما استمرار عهد لم يعد يخاطب تطلعات الشارع أو انفتاح مضطرب على مرحلة انتقالية ما تزال ملامحها ضبابية وأثمانها باهظة.
في مدن دشانغ وبافوسام ودوالا، اندلعت احتجاجات واسعة عقب تصاعد الشكوك حول نزاهة الانتخابات التي أُجريت في 12 أكتوبر. في دشانغ أحرق محتجون مقر حزب الشعب الديمقراطي الكاميروني الحاكم، واندلعت مواجهات عنيفة بين شبان والشرطة أدت إلى اعتقالات عديدة.
الكاميرون ونهاية عهد بيا
في بافوسام، تكررت المشاهد ذاتها على خلفية شائعات باختطاف ممثل عن أحد الأحزاب المعارضة. أما في دوالا، فقد تحولت شائعات حول تغيير نتائج التصويت داخل لجنة المقاطعة إلى إغلاق طرق وتدخل أمني واسع استخدم فيه الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين.

من جانبها أعلنت المعارضة بقيادة عيسى تشيروما باكاري فوزها المبكر، معتبرة أن “النصر واضح ولا يمكن إنكاره”، فيما ردّ الحزب الحاكم باتهام المعارضة بمحاولة “زعزعة الاستقرار”.
تشيروما، وهو وزير سابق ومتحدث حكومي في عهد بيا، قدّم نفسه باعتباره ورقة مصالحة وطنية ضد استمرار حكم الرئيس البالغ 92 عامًا والساعي لولاية ثامنة.
لكن الحكومة اعتبرت إعلانه “خيانة وطنية”، مؤكدة أن المجلس الدستوري وحده مخول بإعلان النتائج النهائية.
الأجواء المتفجرة بعد الانتخابات تعكس حالة استياء عميقة من هيمنة النظام الذي دام أكثر من أربعة عقود، إضافة إلى فقدان الثقة في آليات فرز الأصوات وهيئة إيليكام الانتخابية.
انتفاضة شعبية وانتخابات الرئاسة
تصاعد الشائعات حول التلاعب بالنتائج، واستمرار غياب الشفافية، غذّيا شعورًا عامًا بأن النظام السياسي لم يعد قادرًا على ضمان الانتقال الديمقراطي أو الأمن الاجتماعي.
كما أن الاضطرابات في مناطق الغرب والجنوب الغربي الناطقة بالإنجليزية تزيد من هشاشة الدولة، خاصة وأن الجيش بدأ بالانتشار في مدن مثل غاروا وكوسيري.
تواجه الكاميرون اليوم وضعًا يشبه “غروب عهد بول بيا”. فالنظام العجوز يواجه ضغطًا داخليًا من الشباب الغاضب والمناطق المهمّشة، وضغطًا خارجيًا من المجتمع الدولي الذي يدعو إلى احترام إرادة الناخبين وضمان انتقال سلمي للسلطة.

سيناريوهات المستقبل وفقا للبان تتراوح بين قمع أمني يمدد بقاء النظام في المدى القصير، وانفجار أوسع قد يفتح البلاد على احتمالات الفوضى والانقسام، خصوصًا في ظل الأزمة الأنغلوفونية المستمرة وضعف مؤسسات الدولة.
المحصلة أن الكاميرون تعيش اللحظة الأخطر منذ عقود؛ لحظة لا يمكن فيها فصل الاحتقان الانتخابي عن أزمة الشرعية التاريخية لنظام بيا. فتقاطع السخط الشعبي، وانفلات التواصل الاجتماعي، وتعدد الفاعلين الأمنيين والسياسيين، يجعل مستقبل البلاد معلقًا بين إصلاح متأخر أو انهيار متدرج لنظام استنفد كل مقومات استمراره


