صدر العدد (115) من مجلة الشارقة الثقافية لشهر مايو 2026م، حاملاً معه ملفًا غنيًا يتقاطع فيه الأدب بالفكر والفن، في مقاربة شاملة لمشهد ثقافي عربي يتغير باستمرار.
ويعكس العدد توجه المجلة نحو تقديم محتوى نوعي يجمع بين الرصد والتحليل، ويمنح القارئ مساحة للتأمل في تحولات الإبداع العربي.
الافتتاحية: النقد بوصفه فعلًا خلاقًا
تتخذ افتتاحية العدد موقفًا واضحًا من مفهوم النقد، إذ ترفض حصره في مدرسة أو نظرية، وتطرحه بوصفه جهدًا معرفيًا قائمًا على التحليل والموضوعية.
وتؤكد أن النقد المعاصر لم يعد تابعًا للإبداع، بل صار شريكًا في صناعته، يساهم في تشكيل الوعي الجمالي، ويتجاوز الأطر الأيديولوجية الضيقة نحو أفق إنساني أكثر اتساعًا.
الرواية العربية: بين الجذور والتحولات
في مقاله، يتناول مدير التحرير نواف يونس تطور الرواية العربية، مشيرًا إلى قدرتها المتزايدة على ملامسة الواقع الاجتماعي والتفاعل مع القارئ. ويبرز كيف نجحت الرواية في تجاوز ثنائية التراث والمعاصرة، عبر استلهام الاثنين معًا، بما أتاح لها الانتشار عربيًا وعالميًا، سواء من حيث الترجمة أو الحضور النقدي.
شخصيات وقراءات: من نجيب محفوظ إلى لطفية الدليمي
يحتفي باب «أدب وأدباء» بنخبة من الأسماء البارزة، حيث يقدم بهجت صميدة قراءة في البناء الفكري لشخصية نجيب محفوظ، كاشفًا عن عمق رؤيته الفلسفية وتماسك مشروعه الإبداعي.
في المقابل، يسلط نبيل سليمان الضوء على تجربة لطفية الدليمي، بوصفها واحدة من الأصوات التي نجحت في تفكيك البنية التقليدية للرواية، وفتح آفاق جديدة في السرد العربي، عبر الاشتغال على الأسئلة الوجودية والإنسانية.
ويمتد الملف ليشمل قراءات في تجارب متعددة، من بينها حسيب كيالي، وعبدالفتاح الجمل، ونجوى بن شتوان، إلى جانب حوارات مع كتاب معاصرين يؤكدون دور القراءة في بناء الوعي الثقافي.
مدن وذاكرة: الجغرافيا بوصفها نصًا
يتوقف العدد عند عدد من المدن العربية بوصفها حوامل للذاكرة والتاريخ، من زاكورة المغربية إلى أشمون المصرية، في محاولة لقراءة المكان كعنصر فاعل في تشكيل الهوية الثقافية، وليس مجرد خلفية للأحداث.
الفن والسينما والمسرح: تداخل الحقول الإبداعية
في باب «فن. وتر. ريشة»، تتنوع الموضوعات بين المسرح والسينما والموسيقى والفن التشكيلي.
ويبرز حضور السينما بوصفها أداة لاستعادة الذاكرة، فيما يناقش المسرح من زاوية نقدية جديدة، تتقاطع فيها الجماليات مع القضايا الإنسانية.
كما يتناول الباب تجارب فنية مختلفة، من بينها التصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والدراما، في تأكيد على وحدة الحقول الإبداعية رغم تنوع أدواتها.
قراءات نقدية وإصدارات: مساءلة التراث والمعاصرة
يقدم باب «تحت دائرة الضوء» مراجعات لعدد من الكتب والدراسات، تتراوح بين النقد الأدبي والنظرية الثقافية، مثل مناهج النقد المعاصر، ورؤى بول دي مان، والعمارة الإسلامية في عيون المستشرقين.
وهي قراءات تسعى إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الماضي والحاضر.
مقالات ودراسات: أسئلة الأدب والهوية
يضم العدد طيفًا واسعًا من المقالات التي تناقش قضايا مثل تطور الأدب العربي، وعلاقة الراوي بالسرد، والتجديد في الفكر، واللغة بوصفها وسيطًا بين الكاتب والقارئ.
كما تتناول بعض المقالات موضوعات مثل الموسيقى الأندلسية، والسينما بين الشعرية والتجارية، في رصد دقيق لتحولات الذائقة الفنية.
إبداع وترجمة: حضور النص الحي
لا يغفل العدد الجانب الإبداعي، إذ يخصص مساحة للقصص القصيرة والترجمات، إلى جانب نصوص شعرية تستحضر التاريخ والوجدان، في توازن بين التحليل والإنتاج الأدبي.
قراءة في الدلالة العامة للعدد
يعكس هذا العدد من «الشارقة الثقافية» وعيًا عميقًا بتحولات الثقافة العربية، حيث لم يعد الأدب مجرد تعبير جمالي، بل صار أداة لفهم العالم.
ومن خلال الجمع بين النقد، والسرد، والفن، يطرح العدد سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للثقافة أن تواكب زمنًا سريع التغير دون أن تفقد جذورها؟
في هذا السياق، تبدو العودة إلى رموز مثل نجيب محفوظ، والانفتاح على تجارب معاصرة مثل لطفية الدليمي، محاولة لخلق توازن بين الثابت والمتغير، بين الذاكرة والتجريب.
خاتمة: الثقافة بوصفها معركة وعي
لا يكتفي العدد بالرصد، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، حين يضع الثقافة في قلب معركة الوعي العربي.
فبين تراث غني، وواقع مضطرب، وتحديات رقمية متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب نقدي جديد، قادر على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان العربي ومعرفته.
وهنا تكمن أهمية هذا العدد؛ إذ لا يقدم مادة ثقافية فحسب، بل يطرح مشروعًا فكريًا ضمنيًا، يدعو إلى إعادة التفكير في دور المثقف، وحدود الإبداع، ووظيفة النقد، في زمن لم تعد فيه الثقافة ترفًا، بل ضرورة وجودية.







