مع تراجع حدة بعض الملفات الدولية أو دخولها مراحل تفاوضية جديدة، تتجه الأنظار إلى أولويات السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وسط تساؤلات حول إمكانية انتقال تركيز واشنطن من الشرق الأوسط إلى أمريكا الجنوبية، في إطار رؤية تقوم على تعزيز النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي.
ويرى محللون أن إدارة ترامب قد تسعى إلى إعادة ترتيب ملفاتها الخارجية وفق مبدأ تقليل الانخراط في الصراعات الطويلة، والتركيز على ملفات تعتبرها مرتبطة مباشرة بالأمن القومي الأميركي، مثل الهجرة غير النظامية، تجارة المخدرات، ومواجهة تنامي النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.
ويعيد هذا التوجه إلى الواجهة مصطلح “عقيدة مونرو”، التي ارتبطت تاريخيًا بفكرة اعتبار الأمريكتين مجالًا حيويًا للنفوذ الأميركي، إلا أن استخدامها حاليًا يأتي في إطار تحليلات سياسية أكثر من كونه إعلانًا رسميًا عن استراتيجية جديدة.
من الشرق الأوسط إلى نصف الكرة الغربي
خلال حملاته السياسية، ركز ترامب على إنهاء ما وصفه بـ”الحروب التي لا تنتهي”، وتقليل التكاليف العسكرية الأميركية في الخارج، مع إعطاء الأولوية للصفقات السياسية والاقتصادية التي تحقق مصالح واشنطن.
وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن أي تقدم في الملف الإيراني قد يمنح الإدارة الأميركية مساحة أكبر للتركيز على ملفات أخرى، خاصة في القارة اللاتينية التي تعتبرها واشنطن منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
وتبرز أمريكا الجنوبية باعتبارها ساحة تنافس دولي، خصوصًا مع توسع العلاقات الاقتصادية الصينية في دول مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي، إضافة إلى استثمارات بكين في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمعادن الحيوية مثل الليثيوم.
مواجهة النفوذ الصيني والهجرة
يضع ترامب ملف الهجرة على رأس أولويات سياسته الداخلية والخارجية، حيث ينظر إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة باعتبارها قضية أمن قومي.
ومن المتوقع أن تركز أي تحركات أميركية جديدة في المنطقة على تعزيز التعاون الأمني مع دول أمريكا اللاتينية، وتشديد الإجراءات ضد شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
كما تمثل مواجهة النفوذ الصيني أحد الملفات الرئيسية، في ظل مخاوف أميركية من توسع بكين اقتصاديًا في مناطق تعتبرها واشنطن ضمن نطاق تأثيرها التقليدي.
فنزويلا والكارتلات.. ملفات ساخنة
تظل فنزويلا من أبرز الملفات التي قد تشهد تصعيدًا سياسيًا أميركيًا، بسبب الخلافات الطويلة بين واشنطن وحكومة الرئيس نيكولاس مادورو.
لكن طبيعة التحرك الأميركي المحتمل ستعتمد على التطورات السياسية والدبلوماسية، وليس هناك ما يؤكد اتخاذ قرارات بشأن تدخلات مباشرة أو إجراءات عسكرية.
كما يمثل ملف كارتلات المخدرات في المكسيك وأمريكا اللاتينية تحديًا مستمرًا، مع دعوات داخل الولايات المتحدة لتصنيف بعض الجماعات الإجرامية كتهديدات أمنية أكبر.
الحسابات الداخلية وراء السياسة الخارجية
ولا تنفصل التحركات الخارجية لترامب عن الحسابات السياسية الداخلية، خاصة أن ملفات الهجرة وأمريكا اللاتينية لها تأثير واضح على الناخبين في ولايات مهمة مثل فلوريدا وتكساس.
كما تحظى مواقف ترامب تجاه الأنظمة اليسارية في كوبا وفنزويلا بدعم من قطاعات داخل المجتمع الأميركي، ما يجعل السياسة تجاه المنطقة جزءًا من أجندة داخلية وخارجية في الوقت نفسه.
وفي النهاية، فإن انتقال التركيز الأميركي من الشرق الأوسط إلى أمريكا الجنوبية — إذا حدث — سيكون جزءًا من إعادة ترتيب الأولويات، وليس بالضرورة بداية مرحلة صراع جديد، إذ ستحدد التطورات السياسية والاقتصادية شكل الدور الأميركي في القارة خلال الفترة المقبلة.


