ليس التاريخ كتابًا مغلقًا كما نظن، ولا هو سردٌ بريء للأحداث كما تُلقّنها الذاكرة العامة.
بين السطور الرسمية، وفي هوامش الحكايات المتداولة، تختبئ روايات أخرى، بعضها صُنع في غرف الصحافة، وبعضها وُلد في سياق سياسي مضطرب، ثم تحوّل مع الزمن إلى “حقائق” لا تُناقش.
هذه الوقائع المثيرة للجدل تفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل ما نعرفه عن تاريخنا هو الحقيقة، أم نسخة مُعاد صياغتها وفق أهواء السلطة، أو خيال الإعلام، أو سوء الفهم الشعبي؟
في السطور التالية، محاولة لإعادة قراءة عدد من الروايات الشائعة، بين النفي والتشكيك، بعيدًا عن التسليم السريع، وبحثًا عن رواية أكثر تماسكًا.
1-الأسلحة الفاسدة
لم تكن هناك أسلحة فاسدة في حرب فلسطين، سنة 1948م، ولكنها أكذوبة صنعها الصحفي “إحسان عبد القدوس”، واعترف بذلك في مقالاته في الثمانينيات، وفي إحدى ندواته بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، قبل وفاته في 12 يناير 1990م.
2- أحفاد محمد علي باشا
لم يكن أبناء وأحفاد محمد علي باشا يتحدثون تلك اللغة المضحكة التي نراها في الأفلام والمسلسلات، ولكنهم كانوا يتحدثون العامية المصرية، فقد وُلدوا وعاشوا في مصر، وكانوا يجيدون الفصحى إجادة تامة، حسب الأعراف الحاكمة في تلك الفترة، وكان الملك فاروق متمكنا من قواعد اللغة والنحو ومخارج الألفاظ، ولو استمعت إليه تشعر أنك أمام أحد أعضاء مجمع اللغة العربية.
3- الملك فاروق
لم يشرب الملك فاروق الخمر قَط، ولم يكن يشرب عصير الحمام على (الريق) ولم تكن له غراميات، فكلها أكاذيب صحافة عبد الناصر
4- موت آلاف المصريين أثناء حفر قناة السويس
لا يوجد دليل واحد على الأكذوبة التاريخية عن موت آلاف المصريين أثناء حفر قناة السويس، قل لي أين قبورهم؟؟.. أين المقابر الجماعية لهؤلاء؟؟؟
الموت كان حالات فردية، والذين قاموا بالحفر من المصريين كانوا في (سِن التجنيد) شباب أعمارهم من 18 إلى 25 عاما، وكان يتم استبعاد ضعاف البنية والمرضى، ولم يكن رجال الحفر بتلك الهشاشة وهذا الضعف الذي يجعلهم يتساقطون من العمل، فقد أتوا من أعمال تفوق ذلك في قراهم: الزراعة وقطع صخور الجبال وكل الأعمال الشاقة الموجودة في مصر.
5- الزعيم محمد كُريّم
تجار الإسكندرية لم يخونوا الزعيم محمد كُريّم، وقد أوضح المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي ذلك في كتابه: بعد القبض علي الزعيم المصري محمد كريّم (حاكم الأسكندرية) تم الحكم عليه باﻹعدام، ولكن (نابليون بونابارت) قابله، وقال له: يعز عليّ أن أعدم رجلا يدافع عن بلاده، أنت خصمي ولكني احترمك رغم كل شيء، ولا أريد أن يكتب التاريخ عني أني كنت أعدم أبطالا يدافعون عن بلادهم، ولذلك فقد عفوتُ عنك مقابل غرامة 10 أﻵف قطعة ذهبية تعويضا للجيش الفرنسي..
فقال محمد كريّم: ليس معي مال..ولكن لي ديون مستحقه عند التجار تتجاوز 100 ألف قطعة ذهبية
فقال له نابليون: سمحتُ لك بتحصيل ديونك.. اذهب للسوق واحضر لي الفدية..
فكان (محمد كريّم) ينزل للسوق كل يوم مغلولًا في قيوده وفي حراسة الجند الفرنسيين، فيطوفون به علي دكاكين التجار واحدا تلو اﻵخر، ويطالبهم بسداد بعض ما عندهم من ديون له ليدفع الفدية، ولكن لم يستجب له تاجر واحد.. بل وأنكروا عليه مقاومته للفرنسيين!!!
وبعد عدة أيام عاد محمد كريّم لـ (نابليون بونابارت) خالي الوفاض، وليس معه قطعة ذهب واحدة.. فقال له نابليون كلمة موجعة: أنا حزين عليك، ولكني مضطر لإعدامك.. ولن أعدمك لأنك قاومتنا ودافعت عن بلادك، ولكني أعدمك ﻷنك كنت تبذل حياتك دفاعا عن هؤلاء الجبناء
ويعلق المؤرخ (عبدالرحمن الجبرتي) علي هذه اللعبة التي أدارها نابليون، بأن التجار كانوا أذكى من القائد الفرنسي، وفهموا أنها حيلة من بونابارت لكشف من يتعاطف مع محمد كريّم، وأن الفرنسيين كان سيعدمونه في جميع الأحوال، كعادتهم في جميع البلدان التي احتلوها
6- تأسيس النادي الأهلي المصري
النادي الأهلي المصري تأسس في سنة 1905م، وليس في 1907م، ، والنادي الأهلي هو نفسه (نادي طلبة المدارس العليا) الذي تأسس عام 1905م، وكان يديره الزعيم مصطفى كامل، ونفس مجلس إدارة (نادي طلبة المدارس العليا) هم الذين اقترحوا فكرة (نادي رياضي) تابع للنادي الاجتماعي (نادي طلبة المدارس العليا) في 1907م، ولذا من الأخطاء الشائعة أن يقال: إن النادي الأهلي تأسس في سنة 1907م .. لأن النادي الأهلي للرياضة البدنية كان (ملحق) رياضي لنادي طلبة المدارس العليا الذي تأسس في 1905م .. وتم إشهار اسم (النادي الأهلي) في 25 فبراير 1908م.. وهذا يؤكد أن النادي الأهلي الرياضي، ظل لمدة عام بعد إشهاره رياضيا، يحمل اسم (النادي الرياضي لطلبة المدارس العليا)
ونفس الكلام ينطبق على نادي النهضة (الإسماعيلي) ونادي الحديثة (الاتحاد السكندري) الذي تأسس في 1906م، وليس 1914م، كما هو شائع.
7- أول مسجد في مصر
مسجد عمرو بن العاص ليس هو أول مسجد في مصر، وهل يعقل أن يسيطر المسلمون على مصر، من سيناء للقاهرة، ومعظم الصعيد والوجه البحري، من سنة 640م، ولا يبنون مسجدا إلا بعد عامين، في 642م؟؟؟
تاريخيا: أول مسجد هو (مسجد أم دُنَين) الاسم القديم لمنطقة رمسيس بالقاهرة، فقد اتخذ عمرو بن العاص (رضي الله عنه) قرية أم دُنَين (رمسيس) مقرا لجيشه (وزارة الحربية) سنة 640م، وبنى مسجد (أم دنين) المعروف الآن بمسجد الفتح، وكان يحمل سابقا اسم (أولاد عنان) وقد تغيّر اسم هذا المسجد كثيرا منذ دخول الفتح الإسلامي حتى العصر الحديث..
مسجد (سادات قريش) بمدينة بلبيس بمصر، سبق مسجد عمرو بن العاص، ويذهب بعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن هذا المسجد هو أول مسجد بني في مصر، والمنافسة بينه وبين مسجد أم دنين (الفتح)
وعندما تقول إن أول مسجد في مصر هو مسجد عمرو بن العاص الذي تأسس بعد عامين من دخول الفتح الإسلامي، فأنت تتهم عمرو بن العاص (رضي الله عنه) وجيشه بأنهم لم ينشروا الدعوة التي جاؤوا من أجلها، ولم ينشروا الإسلام الذي تركوا ديارهم وأولادهم من أجله، فالفاتحون المسلمون كانوا يبنون مسجدًا فَور دخولهم أي بلد، لتعليم الناس شريعة الإسلام..
لكن الأصح أن نقول: إن مسجد عمرو بن العاص، هو أول (مسجد جامع) فالمسجد الجامع هو المسجد الكبير الذي كانت فيه مدرسة لتعليم اللغة العربية، ومدرسة للعقيدة، وأماكن لتوثيق عمليات البيع والشراء بين الناس، وتقام فيه الحدود، وعقود القران، وتُحَل فيه المشاكل والنزاعات، وبه قيادة الدولة، ومنه تنطلق الجيوش..
———–


