محمد العنبري
في زمن تتسارع فيه المعلومات وتتشابك فيه الروايات، تبرز بين الحين والآخر قضايا تثير اهتمام الرأي العام وتفتح أبواب التساؤلات على مصراعيها ومن بين هذه القضايا الجدل الدائر حول السيدة “ميرا صدام حسين” والتي تقول إنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في حين يقابل هذا الادعاء نفي وتشكيك من أطراف أخرى.
وبين مؤيد ومشكك وبين من يصدق الرواية ومن يرفضها، يبقى السؤال الأكثر حضورا لماذا لا يتم اللجوء إلى فحص الحمض النووي (DNA) لحسم الجدل وإظهار الحقيقة بصورة لا تحتمل التأويل؟
لقد أصبح فحص الـDNA في عصرنا الحديث من أقوى وسائل الإثبات العلمي في قضايا النسب والقرابة، حيث يعتمد على حقائق بيولوجية دقيقة يصعب التلاعب بها وقد استطاع هذا الفحص أن يحسم آلاف القضايا حول العالم، سواء في إثبات الأنساب أو التعرف على الهويات أو كشف الحقائق التي ظلت غامضة لعقود طويلة.
وفي قضية تحظى بكل هذا الاهتمام الإعلامي والشعبي، يبدو من الطبيعي أن يتساءل الناس عن سبب غياب هذا الخيار فإذا كانت هناك امرأة تؤكد أنها تنتمي إلى عائلة صدام حسين، وإذا كانت هناك شخصيات معروفة من العائلة تنفي ذلك، فإن إجراء فحص علمي محايد بين الأطراف المعنية قد يكون الطريق الأقصر نحو الحقيقة.
غير أن الواقع أكثر تعقيدا من مجرد إجراء فحص مخبري فمثل هذه القضايا قد تتداخل فيها اعتبارات شخصية وعائلية وقانونية وسياسية وإعلامية، وقد لا يرغب بعض الأطراف في الخوض فيها أو إعادة فتح ملفات يعتبرونها من الماضي كما أن إجراء الفحص لا يمكن أن يتم بصورة صحيحة إلا بموافقة جميع الأطراف المعنية وضمن إجراءات قانونية واضحة ومختبرات معترف بها دوليا.
ومع ذلك فإن غياب الفحص لا يلغي التساؤلات، بل ربما يزيدها فكلما طال الجدل دون وجود دليل علمي حاسم، استمرت الشائعات والاتهامات والتكهنات، وبقيت الحقيقة أسيرة الروايات المتناقضة ولهذا يرى كثيرون أن العلم هو الطريق الأعدل والأكثر نزاهة للفصل في مثل هذه المسائل، بعيدا عن العواطف والانتماءات والمواقف المسبقة.
إن البحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يكون انتصارا لطرف على حساب آخر، بل انتصارا للحقيقة نفسها فالحقيقة لا تخشى الدليل، ولا يضيرها أن تختبر بالعلم، بل إن العلم هو أفضل وسيلة لإنصاف الجميع وإغلاق أبواب الشك والجدل.
وفي النهاية ستظل قضية ميرا صدام حسين محل نقاش ما دامت الأدلة القاطعة غير متاحة للرأي العام أما إذا جاء يوم وأُجري فيه فحص مستقل وموثق ومعترف به، فسيكون الحكم حينها للعلم، وستكون الحقيقة أوضح من كل الروايات وأكثر قوة من كل الشائعات فالحقيقة قد تتأخر، لكنها تبقى دائمًا قادرة على الظهور متى وجدت الإرادة لكشفها.


