قال الدكتور التونسى سامى العمرى، المحاضر والباحث في الأديان المقارنة والمذاهب المعاصرة، والمشرف العلمي على مبادرة البحث العلمي لمقارنة الأديان وأحد مؤسسيها: “لسنا هنا بصدد ترف فكري أو تحليل بارد لمشهد تشتعل فيه القلوب قبل العواصم، بل هو نداء قسريّ يفرضه واجب التناصح في زمن “التيه” الجيوسياسي.
نحن اليوم لا نملك ترف الحماسة المجردة؛ لأننا ببساطة “خارج الحلبة”، متفرجون على مشهد يُعاد فيه رسم جغرافيا المنطقة بالدم والنار، بينما تُنشر “الإبراهيمية” قسراً تحت ظلال حراب ترامب وصهيونيته المسيحية.
وفي المقابل، تقاتل إيران الشيعية حمايةً لوجودها من الزوال، بينما يقف أهل السنة على الهامش، ينقسمون عند كل نازلة، ويعلقون على الأحداث بدلاً من صناعتها، في مفارقة تاريخية مؤلمة تستدعي وقفة صادقة مع الذات قبل فوات الأوان.”
السطور التالية نص ماكتبه الدكتور العامرى، بمنصات التواصل الاجتماعى:
إيران.. حقيقة الإجرام ووهم النصرة
يجب أن ندرك بوضوح لا يداخله شك أننا أمام دولة استباحت دماء المسلمين بدافع عقدي موروث، وقتلت في سوريا والعراق ما لم يقتله الصهاينة أنفسهم، وهذه حقائق يقينية لا ينكرها إلا أعمى أو مكابر.
إن محاولة تصوير “نظام الملالي” كمنقذ للأقصى هي سقطة في فخ العاطفة الغريرة التي تورث العقول خدراً؛ فكيف يحرر الأقصى من يكفر الفاتحين الأوائل كعمر وصلاح الدين؟ إنهم يريدون “أقصى” على مذهب الرفض، ونحن لا نستبدل احتلالاً بتبعية عقدية تمحو هوية الأمة وتكفر خيار صحابتها، وبئس التحرير الموهوم الذي يُلعن فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فخ الخذلان.. وعزلة “الخُلّص” في زمن التواطؤ
ثمة خلط متعمد بين خذلان الأنظمة العلمانية المنسوبة للسنة وبين حال “خُلّص أهل السنة”؛ فالأخيرون مستضعفون في حصار، تبغض قلوبهم الباطل ولا تنصر ألسنتهم الظالم، وهم لا يقلون استضعافاً عن أهل القدس وغزة.
إن خذلان الأمة للأقصى هو فرع من خذلانها لشريعة الله أولاً، واستسلامها لتيارات العلمنة واللبرلة والنسوية التي نخرت في عظامها.
لذا، فإن المعركة الحقيقية ليست مجرد صراخ على الشاشات، بل هي رحلة شاقة لاستعادة الذات، تبدأ بتطهير القلوب من شوائب ضلالات العصر وامتلاك أسباب القوة المادية، بعيداً عن التعلّق بأنظمة علمانية أو دول رافضية لا ترى فينا إلا “كفاراً” وفق أدبياتها العقدية.
صراع الأشرار واختيار “الشر الأهون”
إن هزيمة إيران وتفكك نظامها لصالح “ورم عميل” يقوده ملاحدة وتغريبيون مستعدون لعقد صفقات مع الكيان الصهيوني، سيكون فاجعة كبرى تعجل بصناعة “إسرائيل الكبرى” وتزيد الأنظمة العربية رعباً وخوراً.
لذا، فإن بقاء نظام الملالي منهكاً ومقصوص الجناحين هو “شر أهون” من سقوط الدولة بالكامل في يد الصهيونية العالمية.
هذا التوازن المر لا يعني الرضا، بل هو “فقه الضرورة” في واقع مأزوم، حيث لا فرج حقيقي إلا بنهضة أهل السنة واستعادة دورهم الحضاري، بعيداً عن الجدل العقيم الذي يمنع العمل ويورث الشقاق.
الواجب العملي.. صناعة الأثر لا تصفية الحسابات
الواجب اليوم يتجاوز مجرد “الجمهور” المتابع؛ لأن ” إن تنصروا الله ينصركم”، والنصر يبدأ بتعظيم أمر الله في النفوس وإحداث توبة جماعية من الأمراض العقدية المعاصرة.
على كل صاحب مشروع إصلاحي أن يستمر في طريقه، فالفرج له سنن كونية لا تحابي أحداً، ولن يُجتنى من شوك الغير عنب.
إذا لم تجنِ أنت ثمرة جهدك في نصرة الحق، فيكفيك فخراً أنك أديت الواجب وأورثت العقيدة الصافية لأولادك، متمثلاً قوله تعالى: “رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ”.


