تحولت الأنفاق تحت مدينة رفح إلى عالم موازٍ، يختبر حدود القدرة البشرية والعسكرية على التحمل، فبينما كان الجيش الصهيونى يعلن سيطرته الكاملة على السطح، كان هناك رجال من كتائب القسام يصنعون ملحمة صمود غامضة تحت الأرض لشهور.
هذه الملحمة التي تثير الدهشة والتساؤلات، وكانت محور مفاوضات سرية دولية معقدة، انتهت بتسريع تسليم جثة ضابط صهيونى قبل أن تنكسر الوعود وتظهر فجوة خطيرة بين الخطاب العسكري والسياسي، ما يدفعنا لاستقراء رأي الخبراء فى أبعاد هذه القضية المتشابكة.
من الصمود تحت الأرض إلى كسر الوعود فوقها
يوضح خبراء عسكريون أن بقاء عناصر مقاومة لعدة أشهر تحت منطقة محتلة بالكامل ليس فقط مسألة تموضع لوجستي، بل هو دليل على مستوى متقدم من عدة عوامل أولها التمويه الهندسي المتقن للأنفاق،
حيث تصمم لتكون متشعبة ومعزولة عن بعضها بآليات إغلاق طارئة، مما يسمح بعزل أقسام معينة.، وثانيها الاعتماد على مخازن تم إعدادها مسبقاً قبل الاحتلال وتشمل مواد غذائية مجففة ومياه مخزنة وأدوية أساسية وأجهزة تنقية هواء بدائية وأماكن التخلص من النفايات.
علم النفس تحت الحصار
ويرى خبراء سياسيون وعسكريون سابقون فى عمليات صمود حركات المقاومة، أن العامل النفسي هو التحدي الأكبر.
ووفقاً للدكتور عمر أحمد أستاذ علم النفس في حالات الصراع، فإن هؤلاء المقاتلين يعيشون في ظروف تشبه العزل الانفرادي، لكن بوجود جماعى مما يخلق ديناميكية خاصة قوة الروح الجماعية والعقيدة والتدريب العقلي المسبق على مثل هذه السيناريوهات تمنحهم مرونة لا يملكها الفرد العادي.
ولفت الى أن غياب ضوء النهار وانتظار الهجوم في أي لحظة يضع الجهاز العصبي في حالة تأهب قصوى مستمرة مما يتطلب قدرة استثنائية على التحمل.
خريطة التفاوض الخفي: من واشنطن وأنقرة إلى الأنفاق

كشف محللون سياسيون متخصصون في الملف الفلسطيني، أن الاتصالات التي جرت لشهر حول إخراج العناصر لم تكن عفوية، بل كانت جزءاً من مسار تفاوضي موازٍ للعمليات العسكرية.
وتشير الدكتورة منى الشامي الباحثة في الشؤون الإسرائيلية، إلى أن إسرائيل كانت تريد تحقيق عدة أهداف دفعة واحدة، وهى استعادة جثث جنودها بدون ثمن سياسي باهظ، والحصول على معلومات استخباراتية حية عن الشبكة التحت أرضية، واستغلال الملف لاختبار تعاون حماس مع الوساطات الدولية.
الوساطة التركية: قناة اتصال مفضلة لكنها هشة
ويلفت الخبراء إلى أن الدور التركي في هذا الملف تحديداً لم يكن مفاجئاً، فأنقرة لديها قنوات اتصال طويلة الأمد ومفتوحة مع حركة حماس، كما أن لديها مصلحة في الظهور كفاعل إقليمي قادر على إدارة الملفات الساخنة.
غير أن البروفيسور خالد التركي أستاذ العلاقات الدولية يرى أن ثقة حماس في الوساطة التركية تعرضت لضربة بعد إخلال إسرائيل بالتفاهمات،
وهو ما قد يدفع الحركة لإعادة تقييم قنوات التفاوض المستقبلية ووضع شروط أكثر صرامة وضمانات مكتوبة وربما علنية.
كسر الوعود: استراتيجية ممنهجة أم انقلاب تكتيكي؟

وأشاروا إلى أن سبب إخلال إسرائيل بالاتفاق الشفهي على مستويين، الأول هو المستوى التكتيكي العسكري حيث ربما قرر القادة الميدانيون أن المخاطرة الأمنية المتمثلة في خروج مقاتلين متمرسين أحياء تفوق المنفعة السياسية المتمثلة في استعادة الجثة التي حصلوا عليها بالفعل،
أما الثانى وهو المستوى السياسي الاستراتيجي، حيث تريد إسرائيل إرسال رسالة مفادها أنها لا تتفاوض تحت الأرض وأن أي تفاهمات معها يجب أن تمر عبر القنوات الرسمية وتحت شروطها هي فقط.
تداعيات المستقبل: ثمن خسارة الثقة
يكاد يتفق معظم الخبراء على أن التأثير الأكبر لهذه الحادثة سيكون على آليات التفاوض غير المباشرة في المستقبل، فمن وجهة نظرهم أصبح من الصعب الآن بناء أي تفاهمات على أساس الثقة أو الوعود الشفهية خاصة في الملفات الإنسانية الحساسة،
وأن قدرة المقاومة على الصمود لفترات طويلة تحت الأرض ستجبر الجيش الإسرائيلي على تبني استراتيجيات مختلفة أكثر تكلفة وزمن أطول في حربه ضد الأنفاق مما يغير معادلة التكلفة والمنفعة في مثل هذه العمليات.
عالم تحت الأرض لا يقل تعقيداً عن عالم فوقها
في النهاية تؤكد هذه الواقعة أن معركة غزة تدور على جبهتين، مرئية فوق الأرض وخفيّة تحتها بكل تعقيداتها النفسية واللوجستية والسياسية،
وأن كسر الوعود- كما هى عادة اليهود- في مثل هذه الظروف وغيرها، لا يقتل الأمل في حلول آنية فحسب، بل يزرع بذور أزمات أعمق وأكثر خطورة في المستقبل
يصعب فيها الفصل بين العسكري والسياسي والإنساني، وربما بدء مرحلة لاحقة من توابع طوفان الأقصى، تكتب بها أقدار الله طريقا جديدا للمقاومة الصامدة.
الصور: رويترز






