دخلت الإدارة الدينية والمؤسسية في مملكة البحرين مرحلة جديدة من المركزية القانونية عقب صدور مرسوم ملكي يقضي بإنشاء “مجلس شؤون الأوقاف الإسلامية”.
هذه الخطوة التشريعية قضت بدمج إدارتي الأوقاف السُنيّة والجعفرية- احد الطرق الشيعية – تحت سقف تنظيمي موحد وبإشراف حكومي مباشر، ممهدةً لتغيير جذري في آليات إدارة الأصول الوقفية.
استقطاب في الفضاء الرقمي
فجّر هذا القرار السيادي موجة عارمة من النقاشات المتباينة على منصات التواصل الاجتماعي بين أطياف المجتمع البحريني، حيث تحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة لتبادل الآراء حول أبعاد الدمج المؤسسي ومستقبل الاستقلالية المذهبية؛ وسط تباعد واضح في القراءات بين من يرى الخطوة حماية وطنية ومن يراها وصاية رسمية.
وزن الأصول الجعفرية في المعادلة
يمثل ملف الأوقاف -ولا سيما الجعفرية منها- أحد الحساسيات التاريخية والمالية الشائكة في المحيط البحريني؛ وتذهب المؤشرات الرقمية التقديرية إلى أن العوائد الاستثمارية السنوية للأوقاف الجعفرية تتجاوز حاجز 9 ملايين دينار بحريني (نحو 24 مليون دولار أمريكي).
وتدير هذه الإدارة محفظة عقارية ضخمة تضم أكثر من 2831 عقاراً وأصلاً استثمارياً تُقدر قيمتها بمئات ملايين الدنانير.
تفكيك الصبغة الطائفية
حاولت بعض الحسابات المعارضة للمرسوم صبغ القرار بأبعاد طائفية، معتبرة إياه محاولة لتجريد المكون الشيعي من استقلاله المالي وموارده الوقفية بغطاء قانوني ورسمي، بدعوى أن الأوقاف الجعفرية تأسست كبنية أهلية تابعة للطائفة أدارها علماؤها بشكل مستقل منذ عام 1927.
وفي المقابل، فند المؤيدون هذه السرديات مؤكدين أن المملكة قامت على قيم التعايش ونبذ التمييز، وأن التنظيم الجديد يمنع استغلال الموارد خارج الأطر التنموية المعتمدة.
أرشيف الفكر الخليجي
قال مراقبون أنه في سياق مقاربة العلاقة بين الدولة والوقف المذهبي، برزت قراءة فكرية متوازنة في المشهد مستوحاة من أطروحات الشيخ حسن بن موسى الصفار في مؤلفه “إدارة الوقف الجعفري في دول الخليج .. آفاق وتطلعات” الصادر في عام 2025.
جادل الصفار فى مؤلفه بأن الرعاية الرسمية والغطاء المؤسسي من قِبل الدولة للوقف الجعفري يسهمان في ترسيخ قيم المساواة المواطنية، وتفكيك الانغلاق المذهبي الضيق لصالح أفق وطني جامع يحمي الأصول ويعظم استثماراتها.
الهيكل الإداري الجديد للمجلس الموحد
بموجب المبادرة التشريعية الحالية لعام 2026، تخضع الدائرتان (السنية والجعفرية) لسلطة مجلس أعلى يترأسه مباشرة وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف، ويعاونه نائبان يمثلان الهرم الإداري السابق للقطاعين، حيث يشغل رئيس الأوقاف السُنية منصب النائب الأول، في حين يتولى رئيس الأوقاف الجعفرية منصب النائب الثاني، ويتولى المجلس المهام التالية:
-
الإشراف والمراقبة: ممارسة الرقابة العليا على القطاع الوقفي وحماية شروط الواقفين.
-
الحوكمة الاستثمارية: رسم السياسات المالية وضوابط الاستثمار بما يطابق الشريعة الإسلامية.
-
الرقمنة والتوثيق: تأسيس قاعدة بيانات رقمية موحدة وشاملة لكافة العقارات والأصول الوقفية في البلاد.
الجذور الفقهية
يأتي هذا التحول الهيكلي في بلد يتميز بتنوعه المذهبي؛ حيث يتولى النظام الملكي السُني إدارة البلاد، في حين يمثل الشيعة نسبة وازنة من النسيج السكاني وضعتها تقارير تاريخية صادرة عن معهد واشنطن عند 62% وأخرى للجهاز المركزي للمعلومات عند 49% (قبل نفيه لاحقاً لاعتماد المعايير الطائفية في الإحصاء).
موازنة متطلبات الحوكمة
تكشف أزمة الأوقاف في البحرين عن التحدي المستمر الذي تواجهه دول الخليج في موازنة متطلبات الحوكمة المركزية الحديثة مع الخصوصيات الأهلية والمذهبية المستقرة.
وإذ تسعى المنامة عبر هذا المرسوم إلى تجفيف منابع التجاذبات السياسية وحصر الأصول المليارية تحت رقابة وزارة العدل، فإن نجاح هذه التجربة يبقى رهناً بقدرة المجلس الموحد الجديد على إثبات كفاءته الاستثمارية وتأكيد التزامه الصارم بالضوابط الفقهية لكل مذهب.
وذلك حتى يتحول الدمج المؤسسي إلى أداة لتعزيز الشفافية والوحدة الوطنية بدلاً من أن يظل مادة خصبة للاستقطاب في الفضاء الرقمي.






