كثّفت الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية في ليبيا، في مسعى لدعم توحيد مؤسسات الدولة ودفع الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، بالتزامن مع استمرار الانقسام المؤسسي والأزمات المعيشية والخدمية التي تواجه البلاد.
ووصل كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت إلى بنغازي، بعد سلسلة لقاءات عقدها في طرابلس مع مسؤولين سياسيين واقتصاديين وأمنيين، تناولت توحيد المؤسسات العسكرية، ودعم الاستقرار المالي، وحماية قطاع الطاقة، وتعزيز فرص الاستثمار الأميركي في ليبيا.
وخلال زيارته، ناقش برنت مع محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى التطورات المالية والاقتصادية، إلى جانب خطوات تنفيذ «الاتفاق التنموي الموحد» والالتزام ببنوده، مع التأكيد على أهمية الإصلاحات المالية التي ينفذها المصرف المركزي للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
وشدد الجانب الليبي، وفق ما أعلنه المصرف المركزي، على استقلالية المؤسسة وإداراتها، في ظل أهمية الحفاظ على المؤسسات الاقتصادية السيادية بعيداً عن التجاذبات السياسية التي رافقت الانقسام الليبي خلال السنوات الماضية.
وتزامنت التحركات الأميركية مع اهتمام واضح بقطاع النفط والغاز، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي. فقد بحث برنت مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان سبل تطوير التعاون والشراكات، وتبادل الخبرات، ورفع كفاءة الأداء بما يساعد على الحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية في القطاع.
كما تناول الاجتماع أهمية الاستعانة بمكتب استشاري دولي لمتابعة تنفيذ الميزانية المخصصة لقطاع النفط، بما يهدف إلى تحسين إدارة الموارد، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الشفافية والحوكمة في تنفيذ المشروعات النفطية.
دعم المسار السياسي
ولا يقتصر التحرك الأميركي على الملفات الاقتصادية، إذ شملت لقاءات برنت في طرابلس رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ووزير المالية راشد أبو غفة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.
وتناولت الاجتماعات سبل دفع العملية السياسية، ودعم التفاهمات التي توصلت إليها لجنة الحوار المصغر «4+4»، والتقدم نحو التوقيع عليها، باعتبارها إحدى الآليات المطروحة لاستكمال المسار السياسي والوصول إلى الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
كما بحث المسؤول الأميركي مع المسؤولين الليبيين فرص تعزيز التعاون الاقتصادي بين واشنطن وطرابلس، وتوسيع مشاركة الشركات الأميركية في قطاعات الطاقة والاستثمار والتنمية.
وتنظر واشنطن إلى استقرار المؤسسات الاقتصادية الليبية، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، باعتباره عاملاً أساسياً في الحد من تداعيات الانقسام السياسي، خصوصاً أن الصراع على الموارد والإيرادات النفطية كان أحد أبرز الملفات التي عمّقت الانقسام بين المؤسسات والسلطات المتنافسة.
وفي الجانب الأمني، قال برنت إنه بحث مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة عبد السلام الزوبي الجهود الأميركية الرامية إلى مساعدة الأطراف الليبية على توحيد المؤسسات العسكرية، وتعزيز التعاون بين الضباط المهنيين من مختلف مناطق البلاد.
ويمثل توحيد المؤسسة العسكرية أحد أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة الليبية، في ظل استمرار وجود قوى عسكرية وأمنية متعددة ومراكز نفوذ متنافسة في شرق البلاد وغربها.
أزمات اقتصادية وخدمية
وتأتي التحركات الأميركية في وقت تواجه فيه حكومة الوحدة انتقادات متزايدة بسبب تدهور بعض الخدمات الأساسية، واستمرار أزمات الكهرباء والسيولة والوقود وارتفاع أسعار الأدوية.
وأظهرت مقاطع متداولة محلياً حالة من الاستياء الشعبي على خلفية إغلاق بعض مقار شركة الكهرباء وغياب الموظفين، بينما أكدت الشركة العامة للكهرباء استمرار فرقها الفنية في التعامل مع الأعطال الطارئة التي تصيب شبكة التوزيع.
وأرجعت الشركة جانباً من الأعطال إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الطاقة، مؤكدة استمرار العمل لمعالجة المشكلات وضمان استقرار التغذية الكهربائية.
كما تصاعدت الانتقادات السياسية والدينية الموجهة إلى حكومة الوحدة، إذ انتقد مفتي غرب ليبيا السابق الصادق الغرياني أداء الحكومة، متحدثاً عن أزمات تتعلق بالوقود والمياه والكهرباء والسيولة النقدية وارتفاع أسعار الأدوية.
وتضع هذه الأزمات السلطات الليبية أمام اختبار مزدوج: تحقيق تقدم سياسي يسمح بتوحيد مؤسسات الدولة، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والخدمية التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين.
النفط بوابة الاستقرار الاقتصادي
ويظل قطاع النفط محورياً في أي محاولة لإعادة بناء الاقتصاد الليبي، نظراً لاعتماد البلاد بدرجة كبيرة على عائداته لتمويل الإنفاق العام.
ومن ثم، فإن اهتمام واشنطن باستقرار المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي يعكس رغبة في دعم المؤسسات التي يمكن أن تشكل قاعدة اقتصادية لأي تسوية سياسية مستقبلية.
ويواجه المسار الليبي تحديات كبيرة، أبرزها استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، والخلافات بشأن إدارة الموارد العامة، وتأخر الانتخابات الوطنية، فضلاً عن استمرار التنافس بين القوى الموجودة في الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، تبدو التحركات الأميركية محاولة للجمع بين المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية بدلاً من التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة. فتوحيد المؤسسات العسكرية يحتاج إلى تفاهم سياسي، والاستقرار الاقتصادي يتطلب مؤسسات مالية موحدة، بينما يحتاج قطاع النفط إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة لضمان استمرار الإنتاج والاستثمار.
وتشير كثافة لقاءات المسؤول الأميركي في طرابلس وبنغازي إلى أن واشنطن تسعى إلى التواصل مع الأطراف الليبية في مختلف مناطق البلاد، مع التركيز على المؤسسات السيادية والملفات التي يمكن أن تشكل نقاط التقاء بين الأطراف المتنافسة.
ويبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة القوى الليبية على تجاوز الخلافات بشأن توزيع السلطة والثروة، وتحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى خطوات عملية تؤدي في النهاية إلى توحيد مؤسسات الدولة وإجراء انتخابات وطنية.


