المعطيات الجديدة تشير إلى أن الأزمة الليبية لم تعد مجرد خلاف حول قوانين انتخابية، بل تحولت إلى أزمة شرعية متعددة المستويات. فوجود كيانات موازية يعكس تفكك مفهوم الدولة نفسه، حيث لم تعد السلطة محصورة في مؤسسات رسمية، بل تتوزع بين مراكز قوى متنافسة.
هذا الواقع يجعل أي مسار انتخابي هشًا بطبيعته، لأنه لا يستند إلى مرجعية موحدة تقبل بها جميع الأطراف.
غياب الإرادة السياسية مقابل وفرة المبادرات
رغم تعدد المبادرات الدولية، من خارطة الطريق الأممية إلى مقترح اللجنة المصغرة، فإن جوهر الأزمة يكمن في غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المحلية.
فالفاعلون السياسيون، في كثير من الأحيان، يجدون في استمرار الوضع القائم مصلحة مباشرة، سواء من حيث النفوذ أو الموارد، ما يجعلهم أقل حماسًا للدخول في تسويات قد تُنهي مواقعهم الحالية.
الانتخابات كأداة صراع لا كحل
المفارقة أن الانتخابات، التي يُفترض أن تكون مخرجًا للأزمة، تحولت إلى نقطة خلاف رئيسية. فكل طرف يسعى لتفصيل القوانين الانتخابية بما يخدم موقعه، ما أدى إلى تعطيل كامل للعملية السياسية.
وهنا تتحول الانتخابات من آلية للحل إلى أداة ضمن الصراع ذاته.
مخاطر إقليمية تتجاوز الداخل الليبي
تحذير هانا تيتيه من “خطر إقليمي” ليس مبالغًا فيه، إذ إن استمرار الانقسام يفتح الباب أمام تدخلات خارجية متزايدة، ويجعل ليبيا ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح الدولية، خاصة في ظل موقعها الجغرافي ومواردها النفطية.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المشهد الليبي يتجه إلى أحد ثلاثة مسارات محتملة:
الأول: استمرار الجمود السياسي، مع بقاء المؤسسات المنقسمة، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير.
الثاني: فرض حلول دولية بديلة، مثل اللجنة المصغرة، وهو مسار قد يواجه رفضًا داخليًا ويثير جدلًا حول السيادة.
الثالث: انفراجة جزئية عبر توافق مرحلي، وهو السيناريو الأقل احتمالًا في ظل المعطيات الحالية، لكنه يظل ممكنًا تحت ضغط دولي وإقليمي.
ليبيا اليوم لا تواجه أزمة انتقال سياسي تقليدية، بل تعيش حالة “تعطّل بنيوي” في إنتاج السلطة. وبين كيانات موازية، ومؤسسات منقسمة، ومبادرات متعثرة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن بناء دولة دون اتفاق على من يملك حق تمثيلها؟







