في لحظة وُصفت بأنها “التفاف تاريخي” حول مستقبل الدولة المثقلة بجراح الانقسام، نجحت القوى السياسية الليبية في كسر جمود مالي دام لأكثر من عقد من الزمان.
وقعت الحكومة على أول ميزانية موحدة للبلاد منذ عام 2013، هذا الاتفاق الذي جرى في مقر المصرف المركزي بطرابلس، ينهي سنوات من التخبط النقدي بين حكومتين في الشرق والغرب، حيث توافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة على رصد 190 مليار دينار ليبي (ما يعادل قرابة 30 مليار دولار) كغطاء مالي شامل.
يرى المراقبون الدوليون ان هذه الخطوة حجر زاوية لإعادة توحيد المؤسسات وتثبيت أركان الاستقرار المالي في الدولة العضو بمنظمة أوبك.
وأفادت تقارير الوكالات العالمية ووسائل الإعلام الدولية بأن مراسم التوقيع، التي أشرف عليها محافظ المصرف المركزي ناجي عيسى، مثلت إعلاناً سياسياً واقتصادياً صريحاً عن قدرة الليبيين على تجاوز الخلافات الهيكلية لصالح رؤية تنموية جامعة.
وبموجب هذا الاتفاق، الذي باركه مستشار الشؤون العربية والأفريقية بالولايات المتحدة مسعد بولس كجزء من خارطة طريق تدعمها واشنطن، ستتولى حكومة الوحدة الوطنية مسؤولية الوفاء ببند الرواتب والنفقات التشغيلية، في حين ستخضع المشروعات التنموية الكبرى لإشراف لجنة مشتركة تضمن عدالة توزيع الموارد بين كافة الأقاليم الليبية.
وتكشف تفاصيل الموازنة عن تركيز استراتيجي على عصب الاقتصاد، حيث تم تخصيص 12 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط لضمان زيادة معدلات الإنتاج وتأمين الإيرادات التي تشكل أكثر من 95% من الدخل القومي. كما شملت البنود تخصيص 73 مليار دينار للرواتب و40 ملياراً للمشروعات التنموية.
يأتى ذلك إلى جانب مخصصات ضخمة للدعم والعلاوات الاجتماعية والنفقات التشغيلية، ويرى خبراء صندوق النقد الدولي أن هذا التوحيد للميزانية سيقلص من وتيرة التضخم ويوحد سعر الصرف الفعلي، مما يمنح المصرف المركزي الأدوات اللازمة لإدارة السياسة النقدية بفاعلية أكبر بعيداً عن التجاذبات السياسية.
وفي قراءة للمشهد الاقتصادي، يؤكد المحللون أن نجاح هذه الخطوة يمثل “الامتحان الأصعب” لحكومتي الشرق والغرب في الالتزام بأطر الشفافية والمحاسبة، خاصة مع ترقب الشارع الليبي لبرامج التنمية الموعودة.






