في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع خدمات الحج في العالم الإسلامي، تبدو إثيوبيا وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة تنظيم بعثاتها الدينية، بعد إعلان المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إطلاق مكتب تنسيق خدمات الحج في مكة المكرمة بصيغة تنظيمية حديثة تستهدف رفع كفاءة الخدمات المقدمة للحجاج الإثيوبيين.
الخطوة الجديدة لا تعكس فقط رغبة في تحسين الإجراءات الإدارية، بل تكشف أيضًا عن توجه أوسع نحو بناء منظومة أكثر احترافية في إدارة ملف الحج، خاصة مع التحديات اللوجستية والتنظيمية التي تواجه البعثات الإفريقية سنويًا داخل الأراضي المقدسة.
وجاء إطلاق المكتب بعد انتقال وفد قطاع الحج والعمرة بالمجلس، برئاسة محمد صالح، من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، حيث بدأ تشغيل المكتب الجديد ضمن خطة تطوير تستهدف تحديث آليات العمل داخل إثيوبيا وفي المملكة العربية السعودية بالتوازي.
ويعتمد المكتب، وفق ما أعلنه المسؤولون، على وسائل تقنية حديثة تهدف إلى تسريع الإجراءات وتحسين التواصل مع الحجاج، إلى جانب تطوير أنظمة المتابعة الميدانية، بما يسمح بالتعامل السريع مع المشكلات الطارئة وتقديم خدمات أكثر كفاءة وتنظيمًا.
ويأتي هذا التحرك في وقت تتوسع فيه المملكة العربية السعودية في الاعتماد على الحلول الرقمية داخل منظومة الحج، سواء فيما يتعلق بإدارة الحشود أو تنظيم التنقل والإقامة والخدمات الصحية، وهو ما دفع العديد من بعثات الدول الإسلامية إلى إعادة هيكلة أنظمتها الإدارية لمواكبة المتغيرات الجديدة.
وأكد الدكتور محمد صالح أن إعادة تنظيم المكتب تأتي ضمن سلسلة إصلاحات ينفذها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بهدف تحسين جودة الخدمات المقدمة للحجاج الإثيوبيين، موضحًا أن الحجاج باتوا قادرين على الوصول إلى بيانات رحلاتهم ووثائق السفر عبر الهواتف المحمولة، بما يسهل حركة التنقل والمتابعة داخل المشاعر المقدسة.
ويرى متابعون أن هذا النوع من التحول الرقمي أصبح ضرورة أكثر منه خيارًا، خاصة في ظل الأعداد الضخمة للحجاج والتعقيدات المرتبطة بإدارة واحدة من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم.
كما تحمل الخطوة دلالة على سعي المؤسسات الإسلامية في إثيوبيا إلى تعزيز حضورها المؤسسي، وإظهار قدرتها على إدارة ملف ديني شديد الحساسية بكفاءة أكبر، خصوصًا بعد التحسن الملحوظ الذي حققته البعثة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة مقارنة بعدد من بعثات الدول الإفريقية الأخرى.
ومن المتوقع أن يسهم المكتب الجديد في تحسين التنسيق بين البعثة الإثيوبية والجهات السعودية المختصة، إلى جانب تقليل المشكلات المرتبطة بفقدان الوثائق أو ضعف التواصل، وهي أزمات واجهت بعض البعثات في مواسم سابقة.
ومع اقتراب موسم الحج، تبدو المنافسة بين بعثات الدول الإسلامية لم تعد مقتصرة على تنظيم الرحلات فقط، بل امتدت إلى مستوى جودة الخدمات والقدرة على توظيف التكنولوجيا لتقديم تجربة أكثر سهولة وأمانًا للحجاج.
وفي هذا السياق، يمثل المكتب الجديد في مكة خطوة تتجاوز بعدها الإداري، ليصبح جزءًا من تحول أوسع في طريقة إدارة شؤون الحج داخل إفريقيا، حيث تحاول الدول والمؤسسات الدينية إعادة تعريف علاقتها بالحجاج، ليس باعتبارهم مجرد مسافرين لأداء المناسك، بل ضيوفًا يحتاجون إلى منظومة متكاملة من الرعاية والتنظيم والخدمات الحديثة.


