فتح رفض الولايات المتحدة تمويل قوة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال الباب تساؤلات واسعة حول أهداف واشنطن الحقيقية من هذا الموقف، خاصة في وقت تواجه فيه الحكومة الصومالية تحديات أمنية متزايدة مع تصاعد هجمات حركة الشباب واستمرار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق، فضلاً عن الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعيق جهود بناء مؤسسات الدولة.
ويعكس هذا القرار بحسب مراقبين أن القرار تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه إدارة الصراع في الصومال، لكنه لا يعني بالضرورة تخلي واشنطن عن دعم الدولة الصومالية أو رغبتها في انهيارها اوكان هذا لا ينفي وجود اجندة خاصة تتعلق برغبة إدارة ترامب عرقلة دور الأمم المتحدة ومؤسساتها وعدم تحمل النسبة العالية من تمويل مثل هذه المهام .
ويمكن تفسير الموقف الأمريكي في المقام الأول من زاوية مالية وسياسية. فمنذ سنوات تتحمل الولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وشركاء دوليين آخرين، جانباً كبيراً من تكاليف دعم العمليات الأمنية في الصومال، بينما تطالب واشنطن بزيادة مساهمة الدول الأفريقية والحكومة الصومالية في تحمل الأعباء المالية.
التمويل وبناء مؤسسات أمنية
كما تعتقد الإدارة الأمريكية أن استمرار الاعتماد الكامل على التمويل الخارجي لا يساعد على بناء مؤسسات أمنية وطنية قادرة على الاعتماد على نفسها مستقبلا وهوالتوجه الذي نصاعد في ظل إدارة ترامب ..
كما يرتبط القرار برغبة واشنطن في مراجعة آليات تمويل بعثات حفظ السلام، بعد تزايد الانتقادات داخل الولايات المتحدة بشأن ارتفاع الإنفاق الخارجي، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والالتزامات العسكرية الأمريكية في مناطق أخرى من العالم. لذلك فإن رفض التمويل قد يكون جزءاً من سياسة أوسع لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وليس موقفاً خاصاً بالصومال وحده.

في المقابل، يخشى كثير من الخبراء أن يؤدي تقليص التمويل الدولي إلى إضعاف قدرات القوات الأفريقية والقوات الحكومية الصومالية في مواجهة الجماعات المسلحة، خصوصاً أن هذه القوات تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي في مجالات التدريب والتسليح والتمويل واللوجستيات. وأي تراجع في هذه المساعدات قد يمنح حركة الشباب فرصة لتوسيع نفوذها في بعض المناطق الريفية أو شن هجمات أكثر جرأة ضد المدن والمرافق الحكومية.
غير أن القول إن واشنطن تسعى إلى فتح الطريق أمام حركة الشباب أو تنظيم الدولة للسيطرة على مناطق لانتزاع تنازلات من الدولة الصومالية في ملفات اخري لا يستند إلى أدلة مباشرة.
تداعيات القرار علي حركة الشباب وتنظيم الدولة
فالولايات المتحدة لا تزال تنفذ عمليات عسكرية ضد قيادات حركة الشباب، وتواصل تقديم الدعم الاستخباراتي والعسكري للقوات الصومالية، وتعتبر الحركتين منظمتين إرهابيتين تهددان المصالح الأمريكية والإقليمية. ومن ثم فإن تمكينهما من السيطرة على الدولة يتعارض مع الأهداف المعلنة للسياسة الأمريكية في القرن الأفريقي.
كذلك فإن فرضية سعي واشنطن إلى القضاء على ما تبقى من الدولة الاتحادية تبدو بعيدة عن المنطق الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تنظر إلى الصومال باعتباره شريكاً مهماً في مكافحة الإرهاب، وانهيار الدولة بالكامل سيؤدي إلى خلق فراغ أمني واسع قد تستفيد منه الجماعات المتشددة وشبكات التهريب والقرصنة، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
لكن في المقابل، فإن استمرار خفض الدعم الدولي دون توفير بدائل فعالة قد يؤدي عملياً إلى نتائج خطيرة، حتى لو لم تكن مقصودة. فمن المحتمل أن تواجه الحكومة الصومالية صعوبة في الاحتفاظ بالمناطق التي استعادت السيطرة عليها، وقد تتراجع قدرتها على تنفيذ العمليات العسكرية، الأمر الذي يمنح الجماعات المسلحة مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها واستقطاب عناصر جديدة.
كما قد يؤدي ضعف التمويل إلى تعميق الخلافات السياسية الداخلية بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، خاصة إذا انعكس ذلك على رواتب القوات الأمنية أو الخدمات الأساسية وفي ظل هذه الظروف قد تتزايد هشاشة مؤسسات الدولة، ما يفتح الباب أمام مزيد من عدم الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، قد يدفع القرار الأمريكي الحكومة الصومالية إلى تنويع شراكاتها الأمنية والبحث عن مصادر دعم جديدة، سواء من الدول العربية أو تركيا أو دول أفريقية أخرى، بما يقلل من الاعتماد على التمويل الأمريكي والغربي مستقبلاً.
أما بالنسبة لحركة الشباب، فمن المرجح أنها ستسعى إلى استثمار أي تراجع في الدعم الدولي عبر تصعيد عملياتها العسكرية والدعائية، وتقديم نفسها باعتبارها القوة الأكثر تنظيماً على الأرض. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها أصبحت قادرة على السيطرة على الدولة بأكملها، لأن الحكومة لا تزال تحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، كما أن هناك قوى محلية وعشائرية ترفض عودة الحركة إلى الحكم.
الحكومة الصوماليةوتنويع الشركات
لذا نستطيع التأكيد أن هذا الموقف الأمريكي يعكس تحولا في أسلوب إدارة الدعم الدولي أكثر مما يعكس تحولاً في الأهداف الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تبدو راغبة في تقليل أعبائها المالية ودفع الحكومة الصومالية وشركائها الإقليميين إلى تحمل مسؤوليات أكبر.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج دون توفير بدائل عملية قد يؤدي إلى إضعاف الجهود الأمنية، ويمنح الجماعات المسلحة فرصة لاستغلال الفراغ، بما يهدد استقرار الصومال والقرن الأفريقي بأكمله.
وفي هذا السياق الموتر يمكن الرهان علي نجاح الدولة الصومالية في تجاوز هذه المرحلة سيعتمد على قدرتها على إصلاح مؤسساتها الأمنية، وتعزيز التوافق السياسي الداخلي، والحفاظ على الدعم الدولي، مهما تغيرت آليات تمويله.


