عكس موقف جنوب أفريقيا من أي تصعيد عسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إيمانا من قبل بريتوريا بحزمة من المبادئ التاريخية والسياسية التي تبنتها البلاد منذ نهاية نظام الفصل العنصري في بداية تسعينات القرن الماضي .
فالبلد الذي سعي إلى بناء صورة دولية قائمة على الدفاع عن حقوق الإنسان وتغليب الحلول السلمية، يجد نفسه في موقع دقيق يوازن بين رفضهللتصعيد العسكري وبين علاقاته المتشابكة مع أطراف الصراع.
ومن المهم الإشارة لميل جنوب أفريقيا إلى رفض الحروب الاستباقية أو الهجمات العسكرية التي لا تستند إلى تفويض دولي واضح، وهو ما يجعلها غالبًا تنتقد أي عمليات عسكرية تقوم بها الولايات المتحدة أو إسرائيل ضد إيران، خاصة إذا اعتُبرت خرقًا للقانون الدولي أو لسيادة الدول.
رفض العمل العسكري
وينسجم هذا الموقف الرافض للعدوان الأمريكي الصهيوني مع إرث طويل من النضال ضد التمييز والهيمنة، حيث ترى بريتوريا أن النظام الدولي يجب أن يكون قائمًا على المساواة واحترام سيادة الدول، لا على موازين القوى فقط.
وكثيرا ما تدعو جنوب أفريقيا إلى التهدئة والحوار، مؤكدة أن الحلول الدبلوماسية هي السبيل الوحيد لتجنب كارثة إقليمية قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

بل حرصت الحكومة الجنوب إفريقية على استخدام المنابر الدولية، مثل الأمم المتحدة، للدفع نحو استئناف المفاوضات، سواء بشأن البرنامج النووي الإيراني أو القضايا الأمنية في الشرق الأوسط.
بل ودعمت أي مبادرات تهدف إلى إعادة إحياء الاتفاقيات الدولية التي تحد من التصعيد، مثل الاتفاق النووي الذي ابرمته واشنطن وطهران خلال عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ..
لكن موقف جنوب أفريقيا لا يخلو من تعقيد فعلى الرغم من انتقادها للسياسات الأمريكية والإسرائيلية، فإنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية وتجارية مع الغرب، ما يجعلها حذرة في صياغة خطابها السياسي.
بريتوريا والمواجهةمع واشنطن
ومن هنا لا ترغب بريتوريا في الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، نظرًا لأهمية العلاقات الاقتصادية والاستثمارات، لكنها في الوقت ذاته تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي.
أما فيما يتعلق بإيران، فتتسم العلاقة معها بطابع براجماتي حيث شهدت العلاقات بين البلدين فترات من التعاون، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة، إلا أن جنوب أفريقيا لا تقدم دعمًا مطلقًا لطهران، بل تؤكد على ضرورة التزامها بالقوانين الدولية، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي.
وبمعنى آخر، تدعم جنوب أفريقيا حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، لكنها ترفض أي توجه نحو عسكرة هذا البرنامج او العمل علي الوصول للعبة النووية وهوموقف كثيرا تمسكت به جنوب إفريقيا في المحافل الدولية .
ولا يغيب عن الأذهان هنا تأثر موقف جنوب أفريقيا بعضويتها في تكتلات دولية مثل مجموعة “بريكس”، التي تضم قوى تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل أكثر توازنًا.
ومن خلال هذا السياق الحذر، تميل بريتوريا إلى تبني مواقف أقرب إلى الدول النامية، التي ترى أن الهيمنة الغربية على القرار الدولي تحتاج إلى مراجعة. لذلك، فإنها قد تميل سياسيًا إلى تفهّم الموقف الإيراني، دون أن تنحاز له بشكل كامل.
جنوب إفريقيا والتوتر مع الكيان الصهيوني
على الصعيد الداخلي، تلعب الاعتبارات الشعبية والحزبية دورًا في تشكيل الموقف.فالائتلاف الحاكم حاليا في جنوب أفريقيا يتبني مواقف مؤيدة للقضية الفلسطينية، ما ينعكس على نظرتها السلبية لإسرائيل وسياساتها، وهذا بدوره يؤثر على موقف الحكومة، التي تسعى إلى عدم تجاهل هذه التوجهات الداخلية، خاصة في ظل نظام ديمقراطي يولي أهمية للرأي العام.
وعلي الصعيد الاقتصادي تدرك جنوب أفريقيا أن أي حرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد تؤدي إلى اضطرابات في أسواق النفط وارتفاع الأسعار، وهو ما سيؤثر سلبًا على اقتصادها.

لذا فإن لهامصلحة مباشرة في تجنب التصعيد، ودعم الاستقرار الإقليمي انطلاقا من أي توتر في الممرات البحرية أو سلاسل الإمداد العالمية قد ينعكس على تجارتها الخارجية، ما يعزز من موقفها الداعي إلى التهدئة.
في المحصلة، يمكن القول إن موقف جنوب أفريقيا يتسم بالتوازن والحذر، حيث تسعى إلى الجمع بين مبادئها الأخلاقية ومصالحها الاستراتيجية. فهي ترفض الحرب كخيار، وتدعو إلى الحوار، وتنتقد ما تراه انتهاكًا للقانون الدولي،
غير انها ملزمة كذلك بالحفاظ على علاقات متنوعة مع مختلف الأطراف ، هو يعكس رؤية أوسع لدورها في العالم، كدولة تسعى إلى لعب دور الوسيط والداعم للاستقرار، بدلًا من الانخراط في محاور الصراع.
وانسجاما مع هذه المبادئ وهذا الأرث أعلنت جنوب إفريقيا استعدادها للقيام بدور الوساطة بين أمريكا وإيران ،متي طلب منها ذلك ،انطلاقا من يقين لديها بأن استمرار الحرب سيكون له تداعيات كارثية علي الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة بشكل يجعلها تتمسك بخيار الدبلوماسية ،والعمل علي وقف الحرب بأسرع وقت ممكن.


