تبدو جولة نيويورك التفاوضية بين أمريكاوإيران ، أقرب إلى إعادة تشغيل قناة التفاوض واختبار مواقف الطرفين منها إلى إعلان اختراق نهائي، رغم أن مجرد عودة الاتصالات بعد أسابيع من القطيعة تمثل تطورًا مهمًا.:
وقد عادت الاتصالات بين واشنطن وطهران إلى الواجهة من جديد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في وقت تبدو فيه الحرب أمام اختبار دبلوماسي جديد بعد أشهر من التصعيد.
فبينما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحادثات بأنها كانت “جيدة جدًا” و”بناءة جدًا”، لا تشير المعطيات المعلنة حتى الآن إلى التوصل إلى اتفاق نهائي أو تسوية للقضايا الرئيسية، وإنما إلى نجاح الطرفين في إعادة فتح قناة اتصال مباشرة عبر الوسطاء بعد فترة من الجمود.

وتكشف تفاصيل الجولة وفق لمراقبين ومشاركين في المفاوضات من الجانبين أن جوهر التحرك لم يكن بالضرورة الوصول الفوري إلى صفقة، وإنما تبادل الرسائل واختبار مدى استعداد كل طرف للانتقال من المواجهة إلى التفاوض.
فقد جرت اتصالات بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، بمشاركة جاريد كوشنر، فيما أكدت طهران أن التواصل جرى بوساطة قطرية لإبلاغ واشنطن بالشروط الإيرانية
مضيق هرمزالملف الرئيسي
ومن البديهي القول إن قضية مضيق هرمز في قلب هذه الاتصالات، باعتبارها إحدى أكثر نقاط الأزمة حساسية.
فقد أبلغت إيران الوسطاء استعدادها لإعادة فتح المضيق خلال فترة قصيرة إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية. وبحسب مسؤول إيراني ، تستطيع طهران إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام في حال توافرت هذه الشروط.
وهنا تظهر معادلة تفاوضية واضحة: واشنطن تريد ضمان حرية الملاحة وإنهاء الخطر الذي يهدد حركة الطاقة العالمية، بينما تربط طهران عودة الملاحة الطبيعية بتغيير الإجراءات الأمريكية ضدها.
ولذلك فإن هرمز لم يعد مجرد ملف أمني أو عسكري، وإنما تحول إلى ورقة تفاوضية يمكن أن تربط بين وقف الأعمال العسكرية ورفع الحصار وإعادة فتح الممر الملاحي.
أما الدور القطري، فيبدو أكثر اتساعًا من مجرد نقل الرسائل. فقد أعلنت الدوحة أنها تجري منذ نحو أسبوعين اتصالات وتبادل أفكار مع واشنطن وطهران بهدف إعادة إطلاق المفاوضات، بالتنسيق مع باكستان.
كما ناقش رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مع عراقجي في نيويورك سبل خفض التصعيد وتهيئة الظروف للحوار.
وتشير تقارير إلى أن قطر طرحت كذلك تصورًا لإطار أمني مشترك يضم إيران ودول الخليج، وهو مقترح لم تعلن الدوحة تفاصيله بصورة رسمية، بينما تدرس طهران إمكانية التعامل معه.
وإذا تأكد تطور هذا المسار، فإنه يعني أن الوساطة القطرية لا تركز فقط على إنهاء الحرب، وإنما تحاول معالجة واحدة من جذور الأزمة، وهي الترتيبات الأمنية في الخليج ومضيق هرمز.
لكن العقبات لا تزال كبيرة. فإيران تربط أي تسوية برفع الحصار والضغط العسكري والإفراج عن الأصول المجمدة وإنهاء الحرب على مختلف الجبهات، في حين يتمسك ترامب بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلى جانب مطالبه الأوسع المتعلقة بسلوك طهران الإقليمي. ولذلك فإن الفجوة بين الطرفين لا تزال قائمة، حتى مع عودة الحوار
الملف النووي وسلوك إيران الإقليمي
وهنا سيبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو لماذا يربط ترامب توقيت التسوية بانتخابات التجديد النصفي الأميركية؟. في خطابه أمام الأمم المتحدة، تحدث ترامب عن إمكانية إحراز تقدم بعد انتخابات التجديد النصفي، وهو ما يمكن قراءته في إطار اعتبارات السياسة الداخلية الأميركية؛ فالحرب الطويلة، وارتفاع تكاليفها، واضطراب أسواق الطاقة، كلها ملفات يمكن أن تتحول إلى عناصر ضغط سياسي على الإدارة مع اقتراب الانتخابات.

ومن ثم، فإن الإشارة إلى الانتخابات لا تعني بالضرورة أن واشنطن قررت تأجيل التسوية حتى ذلك الموعد، وإنما تعكس إدراكًا بأن هامش المناورة السياسية للرئيس الأميركي يرتبط أيضًا بالتكلفة الداخلية لاستمرار الحرب.
وفي المقابل، قد ترى طهران أن استمرار الأزمة الاقتصادية والضغط على صادراتها وملاحتها يجعل التفاوض ضرورة، لكن من دون تقديم تنازلات تمس جوهر موقفها.
مرحلة انتقالية
وبذلك تبدو جولة نيويورك بمثابة مرحلة انتقالية بين الحرب والتفاوض؛ لم تحقق اختراقًا حاسمًا، لكنها أعادت الاتصالات إلى مسار يمكن البناء عليه. ويبقى اختبار النوايا الحقيقي مرتبطًا بما إذا كانت واشنطن ستقدم خطوات عملية بشأن الحصار والضغط العسكري، وما إذا كانت طهران ستترجم استعدادها لإعادة فتح هرمز إلى ترتيبات ملموسة تضمن حرية الملاحة.
فإذا نجح الوسطاء، خصوصًا قطر وباكستان، في تحويل هذه الرسائل إلى تفاهم مرحلي، فقد يصبح مضيق هرمز مدخلًا لتسوية أوسع، أما إذا ظل كل طرف متمسكًا بشروطه القصوى، فقد تتحول الجولة الجديدة إلى مجرد هدنة دبلوماسية مؤقتة قبل عودة التصعيد.


