تترقب اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تحولاً مفصلياً وانعطافة نحو النمو المرتفع في عام 2027، عقب مرحلة الانكماش التي طالت أداءها خلال العام الجاري إثر التوترات العسكرية ومخاطر حظر وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز.
صدمة الانكماش وشرط الارتداد القوي
أظهرت التقديرات الأخيرة الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية تبايناً ملموساً بين أداء العام الحالي والمؤشرات المتوقعة للسنوات المقبلة؛ إذ رجح صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي لدول الخليج بنسبة 4.8% في 2026، قبل أن ترتد الصادرات والقطاعات الإنتاجية لتسجل نمواً استثنائياً يقدر بنحو 9.1% خلال 2027، في حين ذهب البنك الدولي لتوقعات تتنبأ بنمو قاري يبلغ 10.3%، شريطة انحسار الصراع واختفاء العوائق البحرية أمام شحنات النفط والغاز.
اختناقات الملاحة وقفزات تكاليف الشحن
تأثرت سلاسل الإمداد العالمية ومعدلات تصدير الخام من دول الخليج جراء الضغوط الأمنية واستهداف الناقلات بالقرب من مضيق هرمز وميناء الفجيرة؛ مما أجبر العديد من الناقلات العملاقة وسفن “سويز ماكس” على تغيير مساراتها أو تعليق رحلاتها.
وقد انعكس هذا التعطل الملاحي، الذي أدى لتراجع الشحنات المارة عبر المضيق إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً، في وقت سجلت فيه أسعار شحن الناقلات قفزات غير مسبوقة وصلت إلى 1.4 مليون دولار يومياً للرحلات المغادرة من الخليج العربي.
رهانات الذكاء الاصطناعي والتنويع الهيكلي
ورغم تراجع الفوائض المالية واضطراب الإيرادات النفطية، تتسارع خطط المنطقة نحو جذب الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تشير البيانات الشاملة إلى أن توظيف التكنولوجيا الحديثة قد يوفر قيمة اقتصادية متراكمة تتجاوز تريليون دولار في المنطقة بحلول عام 2030.
وترافق ذلك مع تحركات استثمارية كبرى لجمع رؤوس الأموال الشريكة لتأسيس صناديق سيادية قادرة على قيادة التحول الصناعي والخدمي غير النفطي.
وأكدت التقديرات الرسمية للبنك وصندوق النقد الدوليين تباين مسارات التعافي المرتقبة في 2027 بين دول التكتل، بتصدر قطر لمعدلات النمو بـ 26.7% والكويت بـ 22%، تليهما الإمارات بنسبة 9.5% والسعودية بنسبة 7.9%.
وأبرزت النشرات التحليلية لمنصات النقل المائي والأبحاث المالية تراجع أحجام التصدير النفطي المار عبر مضيق هرمز بنحو الثلث مقارنة بمستويات 2025، وسط ارتفاع قياسي في الطلب العالمي على أسطول الناقلات الجاهزة وتكاليف التأمين البحري.
التعافي النفطي ومرونة النمو المستدام
تُظهر قراءة المؤشرات المالية الجارية في دول الخليج أن القفزة المرتقبة في معدلات النمو لعام 2027 تعكس بالدرجة الأولى تأثير العودة من “قاعدة المقارنة المنخفضة” واستئناف ضخ الطاقة المتوقفة، وليس تحولاً هيكلياً موجهاً بالكامل للإنتاجية غير النفطية.
إن ارتهان الحركة الاقتصادية بسلاسة التدفقات الملاحية عبر مضيق هرمز يسلط الضوء على ضرورة التعجيل بتحديد أولويات الإنفاق الاستثماري وترشيد الموارد نحو المشاريع ذات العائد المباشر.
وأمام التحديات الجيوسياسية الممتدة، يظل نجاح خطط التنويع مرتهناً بالقدرة على دمج تقنيات الاقتصاد الرقمي في رفع كفاءة القطاعات الحيوية، وتوجيه الإيرادات المستعادة نحو تحصين الاحتياطيات وتوسيع دور القطاع الخاص بعيداً عن تقلبات سوق النفط الخام.