أعاد قرار رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، بمنع دخول رعايا أربع دول أفريقية إلى الأراضي الليبية، الجدل مجددًا حول ملف الهجرة غير النظامية، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات تعقيدًا داخل ليبيا، في ظل تصاعد الضغوط الأمنية والاقتصادية، واستمرار الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها.
ويقضي القرار بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال عبر جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية، مع استثناء أعضاء البعثات الدبلوماسية وأسرهم، إضافة إلى العاملين في قطاعي الصحة والتعليم والمهن الطبية، شريطة الحصول على الموافقات الرسمية.
ويأتي القرار بالتزامن مع حملات أمنية متواصلة في شرق وجنوب ليبيا تستهدف تفكيك شبكات تهريب البشر، وضبط الحدود الجنوبية، في وقت تشير فيه بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 940 ألف مهاجر داخل ليبيا، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه سبعة ملايين نسمة.
لماذا هذه الدول؟
يرى مراقبون أن اختيار السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال لم يكن عشوائياً، إذ تمثل هذه الدول أبرز مصادر تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة عبر الحدود الجنوبية والشرقية، سواء للمهاجرين الراغبين في العبور نحو أوروبا أو الباحثين عن فرص عمل داخل ليبيا.
كما أدى استمرار الصراع في السودان، وعدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، إلى زيادة الضغوط على الحدود الليبية، التي تمتد عبر مساحات صحراوية شاسعة يصعب إحكام السيطرة عليها.
خطوة أمنية أم رسالة سياسية؟
ويعتبر محللون أن القرار يحمل بعداً أمنياً واضحاً، إذ يسعى إلى تشديد الرقابة على المنافذ وتقليص تدفقات المهاجرين، لكنه في الوقت ذاته يوجه رسالة سياسية تؤكد تشدد السلطات في شرق ليبيا تجاه ملف الهجرة، الذي بات يمثل أحد أبرز الملفات المطروحة في العلاقات مع أوروبا.
ويؤكد خبراء أن نجاح القرار لن يعتمد على صدوره فقط، وإنما على قدرة الأجهزة الأمنية على تنفيذه فعلياً، ومدى التنسيق مع دول الجوار، فضلاً عن معالجة الأسباب التي تدفع آلاف المهاجرين إلى المخاطرة بعبور الصحراء الليبية.
حملات ترحيل مستمرة
ويتزامن القرار مع استمرار جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في تنفيذ عمليات ترحيل للمهاجرين المخالفين، حيث أعلن نقل عشرات المهاجرين من الجنسيتين البنغلاديشية والباكستانية إلى مراكز الإيواء تمهيداً لإعادتهم إلى بلدانهم، كما رحّل مهاجرين من الجنسية التشادية، بينهم مطلوبون للعدالة ومخالفون لقوانين الإقامة، إضافة إلى مصابين بأمراض معدية.
وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تأتي ضمن خطة لتنظيم أوضاع الوافدين، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، مع الاستمرار في تقديم الخدمات الإنسانية داخل مراكز الإيواء.
هل يطبق القرار في كل ليبيا؟
ورغم أهمية القرار، يرى مراقبون أن نطاق تطبيقه سيظل مرتبطاً بالمناطق الخاضعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، بينما تخضع مناطق الغرب الليبي لسلطة حكومة الوحدة الوطنية، التي تتبع سياسات مختلفة في إدارة ملف الهجرة، من بينها إنشاء قواعد بيانات لحصر الوافدين وتنظيم أوضاعهم القانونية.
ويعكس ذلك استمرار الانقسام المؤسسي في ليبيا، حيث تختلف آليات إدارة الملفات السيادية بين الحكومتين، وهو ما قد يحد من فعالية أي إجراءات تتعلق بضبط الحدود أو تنظيم دخول الأجانب.
أوروبا والضغوط المتزايدة
ويأتي القرار أيضاً في ظل تصاعد الاهتمام الأوروبي بملف الهجرة عبر المتوسط، إذ تواجه ليبيا ضغوطاً متزايدة للحد من تدفقات المهاجرين نحو السواحل الأوروبية، مقابل مطالب ليبية بالحصول على دعم مالي ولوجستي أكبر لتأمين الحدود الجنوبية الشاسعة.
ويرى محللون أن تراجع المساعدات الدولية، واستمرار إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى الأراضي الليبية، أسهما في زيادة الأعباء الواقعة على السلطات المحلية، التي تجد نفسها أمام تحديات أمنية وإنسانية متزايدة.
هل تكفي القرارات وحدها؟
ورغم أن قرار حظر دخول رعايا أربع دول قد يسهم في تشديد الرقابة على المنافذ الرسمية، إلا أن خبراء يؤكدون أن معالجة أزمة الهجرة غير النظامية تتطلب استراتيجية أشمل، تشمل تأمين الحدود، وتفكيك شبكات التهريب، وتعزيز التعاون مع دول المصدر والعبور، إلى جانب توفير دعم دولي أكبر لليبيا.
وفي ظل استمرار الصراعات في عدد من دول الجوار، والانقسام السياسي داخل ليبيا، يبقى نجاح هذه الإجراءات مرهوناً بقدرة السلطات على تنفيذها ميدانياً، وبوجود تنسيق إقليمي ودولي يعالج جذور الظاهرة، وليس فقط نتائجها.







