لم تعد أزمة الهجرة في مدينة سبتة مقتصرة على تدفق عشرات الآلاف عبر الحدود المغربية الإسبانية، بعدما كشفت التطورات الأخيرة عن توترات اجتماعية ودينية متصاعدة، واتهامات بالتمييز ضد المسلمين، في مدينة طالما قدمت نفسها باعتبارها نموذجًا للتعايش بين الأديان.
وتزامنت هذه التطورات مع زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيثيا، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، للمقبرة الإسلامية في سبتة، لتكريم ضحايا موجة الهجرة، في مشهد رمزي أعاد التساؤلات حول الفجوة بين الخطاب الرسمي عن التعايش والواقع الذي تواجهه قطاعات من السكان المسلمين والمهاجرين.
أزمة الهجرة تشعل توترات قديمة
بدأت الأزمة في أواخر يوليو الماضي، حين عبر أكثر من 72 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة، وسط شائعات انتشرت عبر مواقع التواصل بشأن فتح الحدود الإسبانية.
ورغم عودة غالبية الوافدين، بقي آلاف المهاجرين في المدينة التي يقطنها نحو 84 ألف نسمة، ما تسبب في ضغوط كبيرة على الخدمات والإسكان والمرافق العامة.
لكن التوتر لم يتوقف عند المطالب المتعلقة بضبط الحدود، إذ بدأت تظهر مواقف تتصل بالهوية الدينية والأصل المغربي لكثير من مسلمي سبتة، وتحولت مساعدة بعض السكان للمهاجرين إلى سبب للتشكيك في انتمائهم إلى المدينة.
وتشير شهادات نقلتها تقارير ميدانية إلى أن بعض المسلمين الإسبان باتوا يواجهون مضايقات أو شكوكًا مرتبطة بأصولهم، بينما يشعر سكان آخرون بالقلق من استمرار الأزمة وتراجع قدرتهم على ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.
اتهامات بإجبار مسلمين على تقبيل الصليب
في 30 سبتمبر، كشفت منظمة العفو الدولية عن شهادات تتهم عناصر من القوات المسلحة الإسبانية بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق مهاجرين في سبتة، شملت الضرب والإهانة والتهديد والمعاملة القاسية.
ومن أخطر الوقائع التي تضمنتها الشهادات اتهامات بإجبار مهاجرين مسلمين على الركوع وتقبيل صليب مسيحي، إلى جانب الاعتداء عليهم جسديًا أو حرمانهم من الطعام عند رفض بعض الأوامر.
وأوضحت المنظمة أنها أجرت أكثر من 65 مقابلة خلال زيارتها الميدانية في سبتمبر، وجمعت 22 شهادة مباشرة تنسب انتهاكات إلى عسكريين إسبان.
وتشير هذه الاتهامات، إذا ثبتت، إلى انتهاكات لا تمس السلامة الجسدية فقط، وإنما تمتد إلى حرية العقيدة والكرامة الإنسانية.
وفي المقابل، أحالت وزارة الدفاع الإسبانية تقرير المنظمة إلى النيابة العامة والقضاء في سبتة، وأمرت بفتح تحقيق داخلي لتحديد المسؤوليات الفردية.
ولا تعني هذه الإجراءات ثبوت الاتهامات قضائيًا، لكنها تؤكد أن القضية انتقلت من التوثيق الحقوقي إلى مسار التحقيق الرسمي.
هتافات معادية للإسلام تصل إلى النيابة
لم تقتصر مؤشرات التمييز على الاتهامات الموجهة إلى بعض العسكريين، فقد تقدمت جمعية «فاكوا» الإسبانية، في الرابع من سبتمبر، ببلاغ إلى النيابة العامة بشأن هتافات وصفتها بالعنصرية والمعادية للإسلام خلال مظاهرات أُقيمت دعمًا لسبتة في مدن إسبانية.
وأفادت الجمعية بأنها قدمت تسجيلات مصورة من تجمعات في مدريد وبرشلونة وخايين، تظهر عبارات تستهدف المسلمين على أساس الدين والأصل.
كما أشارت إلى ظهور رموز مرتبطة بالنازية والفاشية ونظام فرانكو في بعض التجمعات، مطالبة بالتحقيق في احتمال ارتكاب جرائم كراهية.
وتكشف هذه الواقعة عن خطورة انتقال الغضب من أزمة الهجرة إلى خطاب يستهدف هوية جماعة دينية كاملة، رغم اختلاف مواقف المسلمين أنفسهم بشأن كيفية التعامل مع المهاجرين.
المسلمون في صدارة جهود الإغاثة
على الجانب الآخر، ساهمت جمعيات ومتطوعون مسلمون في توفير الطعام والمساعدة لآلاف المهاجرين الذين ظلوا في سبتة.
وقالت حليمة أحمد، المتحدثة باسم جمعية «لونا بلانكا» الخيرية، إن الجمعية توزع ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف وجبة يوميًا، وإن بعض العاملين والمتطوعين تعرضوا للتهديد والإهانات بسبب استمرارهم في تقديم المساعدات.
وتبرز هنا مفارقة إنسانية لافتة؛ إذ تتحمل أحياء مسلمة محدودة الموارد جانبًا من أعباء الأزمة، في الوقت الذي تواجه فيه بعض المبادرات الإغاثية رفضًا ومضايقات.
ومع ذلك، لا ينقسم سكان سبتة إلى معسكرين دينيين متواجهين، فقد عبّر مسلمون أيضًا عن استيائهم من استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين دون حلول حكومية فعالة.
التهميش سبق موجة الهجرة
تكشف دراسة اجتماعية نشرتها مؤسسة كاريتاس الإسبانية في ديسمبر 2025 أن نحو 44% من الأسر المسلمة في سبتة تعاني الإقصاء الاجتماعي، مقارنة بمعدل عام يبلغ 28.5% بين سكان المدينة.
وأظهرت الدراسة أن نحو 38.9% من الأسر أفادت بتعرضها لشكل من أشكال التمييز، وكانت المعتقدات الدينية والأصل القومي أو العرقي من أبرز الأسباب التي ذكرها المشاركون.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة الأخيرة لم تخلق الفوارق الاجتماعية من العدم، وإنما زادت الضغوط على بيئة تعاني أصلًا تفاوتًا في الفرص والظروف المعيشية.
زيارة ملكية.. هل تكفي رمزية التعايش؟
جاءت زيارة الملك فيليبي السادس إلى مقبرة سيدي امبارك الإسلامية، بمشاركة ممثلين عن الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية والهندوسية، لتقديم رسالة تضامن مع ضحايا الهجرة والتأكيد على التعايش الديني.
لكن رمزية الزيارة لا تحسم التساؤلات المتعلقة بحماية المسلمين من العنصرية، ولا تعالج بمفردها الفوارق الاجتماعية التي كشفتها الدراسة، أو الاتهامات الموجهة إلى عناصر أمنية.
ويبقى الاختبار الحقيقي في نتائج التحقيقات، وملاحقة جرائم الكراهية عند ثبوتها، وتوفير الحماية والمساعدة للمهاجرين والسكان المحليين دون تمييز.
فالأزمة التي بدأت عند الحدود أصبحت اختبارًا لقدرة المؤسسات الإسبانية على حماية المواطنة المتساوية وحرية العقيدة، ومنع تحويل الأصول المغربية أو الهوية الإسلامية إلى سبب للاشتباه أو الإقصاء.
وفي مدينة يفترض أن يشكل التنوع الديني إحدى نقاط قوتها، لن يكون التعايش راسخًا ما لم تتحول


