قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في العاصمة الليبية طرابلس بعدم دستورية التعديل الذي أقره مجلس النواب على «قانون نظام القضاء»، في حكم أعاد الجدل حول حدود الفصل بين السلطات، وأثار مخاوف متزايدة من دخول العلاقة بين البرلمان في شرق البلاد والمؤسسة القضائية في غربها مرحلة جديدة من التصعيد.
وجاء الحكم، الصادر الأربعاء، ليقضي بإلغاء جميع الآثار القانونية المترتبة على التعديل البرلماني الذي أُقر قبل نحو عامين، باعتباره مخالفًا لنصوص الإعلان الدستوري، مؤكدة أن قرارها نهائي وملزم لكافة السلطات، في سابقة قانونية تحمل أبعادًا سياسية عميقة في ظل الانقسام القائم بين مؤسسات الدولة.
ويرى قانونيون أن الحكم يعني عمليًا إبطال إجراءات إعادة تشكيل «المجلس الأعلى للقضاء»، والعودة إلى الهيكلية السابقة التي تضمن هامشًا أوسع من الاستقلالية للسلطة القضائية، بعيدًا عن تدخلات السلطة التشريعية، فضلًا عن تثبيت مرجعية الدائرة الدستورية في طرابلس بوصفها الجهة النهائية للفصل في النزاعات ذات الطابع الدستوري والسياسي، رغم محاولات متكررة من مجلس النواب لتقليص صلاحياتها.
وتعود جذور هذا الصراع إلى مساعي البرلمان لإدخال تعديلات جوهرية على هيكل السلطة القضائية، شملت إعادة تنظيم رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وربطها بإجراءات إدارية تمنح رئاسة البرلمان نفوذًا غير مباشر على التعيينات القضائية، وهو ما اعتبره خصومه مساسًا خطيرًا بمبدأ استقلال القضاء.
ولم يصدر تعليق رسمي من مجلس النواب على الحكم حتى الآن، غير أن منصات إعلامية محسوبة على سلطات شرق البلاد نقلت عن مصدر قضائي قوله إن الحكم «يحمل أبعادًا سياسية، ويستهدف تعطيل أي دور مستقبلي للقضاء في ملف الانتخابات»، معتبرًا أن القرار قد يساهم في تعميق الانقسام داخل المؤسسة القضائية بدلًا من توحيدها.
ويرى محللون أن هذا التطور يمثل حلقة جديدة في مسار تصعيد متواصل بين مجلس النواب والمحكمة العليا، بدأ منذ أبريل الماضي عندما أعلن البرلمان في بنغازي إنشاء ما سماه «المحكمة الدستورية العليا»، وقراره إلغاء الدائرة الدستورية التابعة للمحكمة العليا في طرابلس، في خطوة اعتُبرت محاولة لسحب الشرعية من القضاء في غرب البلاد.
وبلغ التوتر ذروته أواخر ديسمبر الماضي، بعد الهجوم العلني الذي شنه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على رئيس المحكمة الإدارية العليا عبد الله أبو رزيزة، ما دفع بعثة الأمم المتحدة إلى التحذير من مخاطر انقسام القضاء وتحويله إلى طرف في الصراع السياسي.
ولم تتوقف أحكام الدائرة الدستورية عند قانون تنظيم القضاء، بل سبق أن قضت بعدم دستورية قانون أقره البرلمان في 2020 لإلغاء جميع القرارات الصادرة عن المؤتمر الوطني العام بعد انتهاء ولايته، ما عزز موقع المحكمة العليا كفاعل مؤثر في المشهد السياسي.
وبالتوازي مع هذا الصراع القضائي، برز خلاف داخل مجلس النواب نفسه، بعدما انتقد زايد هدية، رئيس لجنة متابعة الأجهزة الرقابية، قرار رئيس البرلمان تخصيص ميزانية للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات بقيمة 210 ملايين دينار ليبي، واشتراط أن يتم الصرف تحت إشرافه المباشر، معتبرًا أن ذلك يخالف القوانين المالية المعمول بها ويثير الشكوك حول جدية إجراء الانتخابات.
وحذر هدية من أن توقيت القرار، في ظل الانقسام داخل المفوضية ذاتها، يجعل تنظيم الاستحقاق الانتخابي أمرًا بالغ التعقيد، مؤكدًا أن غياب التوافق بين المؤسسات الرسمية يهدد بإطالة أمد الأزمة السياسية.
في سياق متصل، عقدت المحكمة الجنائية الدولية أولى جلساتها الإجرائية في قضية المتهم الليبي خالد الهيشري، المحتجز على خلفية الاشتباه بارتكابه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وذلك بعد أكثر من سبعة أشهر على توقيفه من قبل السلطات الألمانية.
وعلى الصعيد الحكومي، أعلنت حكومة «الوحدة الوطنية» شروعها في تأسيس شركة قابضة للطيران ضمن خطة لتطوير النقل الجوي، بالتوازي مع اجتماعات مع مسؤولي شركة «بوينغ» الأميركية.
أما عسكريًا، فبحثت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» مبادرات التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، في حين ناقش المشير خليفة حفتر في بنغازي مع السفير الفرنسي ملفات الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر، وسط تنسيق دولي متزايد بشأن الملف الليبي.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن حكم المحكمة العليا قد يتحول إلى نقطة مفصلية في الصراع بين السلطات في ليبيا، حيث لم يعد الانقسام مقتصرًا على السياسة والمؤسسات التنفيذية، بل امتد إلى القضاء ذاته، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الدولة الليبية وإمكانية بناء مسار دستوري مستقر في ظل هذا التشظي المتصاعد.







