بقلم: الأسير المحرر ماجد المصري
في الوقت الذي تتسابق فيه واشنطن وتل أبيب على استقبال الأسرى الإسرائيليين المحررين بالأحضان الرسمية واللقاءات الرئاسية، يعيش أسرانا المحررون المبعدون إلى القاهرة في عزلة تامة، وكأنهم أبناء وطنٍ آخر أو من كوكبٍ لا يعني للحكومة الفلسطينية شيئاً.
في واشنطن، يُستقبل الأسرى الإسرائيليون في البيت الأبيض، تُنظم لهم الرحلات، تُفتح أمامهم أبواب الإعلام، وتُغدق عليهم عبارات “الشجاعة” و”الصمود”.
وفي المقابل، في القاهرة، يقبع الأسرى الفلسطينيون المحررون في فندقٍ أمني، ينتظرون مجرد إشارة من حكومتهم – إشارة لم تأتِ، ولا يبدو أنها ستأتي قريباً.
من المخجل أن تمرّ أسابيع على إبعاد هؤلاء الأبطال دون أن يُكلف رئيس الوزراء نفسه عناء زيارتهم أو حتى الاتصال بهم. وكأنهم لم يقضوا زهرة أعمارهم في زنازين الاحتلال، وكأن حريتهم لا تستحق لحظة اهتمام من حكومةٍ غرقت في بياناتها وتصريحاتها المكرّرة حتى النخاع.
أين الحكومة من واجبها الوطني والإنساني؟
أين وزراؤها الذين لا يتركون مؤتمراً اقتصادياً أو اجتماعاً بروتوكولياً إلا حضروه، لكنهم يعجزون عن ركوب طائرة إلى القاهرة لزيارة من حملوا عذاب الوطن على أكتافهم؟
الوحيد الذي تحرّك، بجهد شخصي وطني خالص، كان وزير الأسرى الأستاذ رائد أبو الحمص ووفد نادي الأسير الفلسطيني. لا بتكليف رسمي من رئيس الوزراء الدكتور محمد مصطفى، ولا بغطاء من مجلس الوزراء.
تحرّكوا لأنهم يعرفون أن الوطنية لا تحتاج “موافقة حكومية”، بل ضميراً حياً وشعوراً بالواجب.
إنّ هذا التقصير ليس مجرد خطأ بروتوكولي أو انشغال إداري، بل خطيئة وطنية تُضاف إلى سجل حكومةٍ تبدو أكثر انشغالاً بإرضاء الخارج من الوقوف إلى جانب أبناء الداخل.
كيف يمكن لحكومةٍ تدّعي “أولوية ملف الأسرى” أن تغيب عن الميدان في أكثر المراحل حساسية؟
كيف نتحدث عن “دبلوماسية الأسرى” و”صمودهم” بينما تُترك قضيتهم في الهامش، بلا رعاية، بلا اهتمام، وبلا حتى كلمة دعم علنية من رأس الحكومة؟
إنّ غياب الحكومة عن القاهرة ليس مجرد غياب مكاني، بل غياب سياسي وأخلاقي عن قلب قضية الشعب الفلسطيني.
وإذا كان الدكتور محمد مصطفى يرى أن التمثيل الخارجي ترفٌ سياسي، فالشعب يرى أن رعاية الأسرى واجبٌ وطني لا يُغتفر التقصير فيه.
ولتعلم الحكومة جيداً:
أنّ الأسرى ليسوا ورقة في ملف العلاقات العامة، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات الوطنية، بل هم البوصلة الحقيقية للوطنية الفلسطينية.
وكل حكومةٍ تدير ظهرها لهم، إنما تدير ظهرها لفلسطين نفسها.


