في خضم تصاعد الجدل العالمي حول الحرب على غزة وتداعياتها السياسية والإنسانية، انتقلت المواجهة من ساحات الاحتجاج التقليدية إلى عمق المؤسسات المالية الأميركية.
ففي ولاية إلينوي، إحدى أكبر الولايات الاقتصادية في الولايات المتحدة، أطلق نشطاء حملة ضغط واسعة تستهدف مكتب أمين خزانة الولاية،
اعتراضًا على ما يصفونه باستخدام غير أخلاقي لأموال دافعي الضرائب في تمويل حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، عبر الاستثمار في سندات إسرائيلية.
القضية، التي تجمع بين السياسة والأخلاق والاقتصاد العام، تعكس تحوّلًا نوعيًا في أدوات الاحتجاج، حيث باتت القرارات المالية الرسمية جزءًا من الصراع السياسي والضمير العام.
«اتصل، راسل، وانشر».. حملة منظمة لتطويق القرار المالي
تحت شعار «اتصل، راسل، وانشر»، أطلق نشطاء ومنظمات مجتمع مدني في إلينوي حملة ضغط منسقة تستهدف مكتب أمين خزانة الولاية، مايكل فريركس،
ودعت الحملة سكان الولاية إلى الاتصال اليومي بمكتب أمين الخزانة، وإرسال رسائل بريد إلكتروني جماعية، وتنفيذ حملات مكثفة ومنظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتهدف هذه التحركات إلى دفع المسؤول المالي الأول في الولاية إلى عدم تجديد سندات إسرائيلية تُعد جزءًا من محفظة استثمارات أموال دافعي الضرائب.

سندات بقيمة 15 مليون دولار تحت العد التنازلي
أوضحت الحملة أن سندين إسرائيليين بقيمة 15 مليون دولار من المقرر أن تنتهي مدتهما خلال 16 يومًا فقط، ما يجعل قرار التجديد وشيكًا وحاسمًا.
ويرى المنظمون أن هذا التوقيت يمثل فرصة نادرة للتأثير المباشر على القرار، قبل أن يتحول إلى التزام مالي جديد طويل الأجل، معتبرين أن أي تجديد يعني عمليًا استمرار دعم مالي غير مباشر للسياسات العسكرية الإسرائيلية.
اتهامات بتجاهل الإرادة الشعبية
اتهم منظمو الحملة أمين الخزانة مايكل فريركس بتجاهل مطالب الجمهور خلال الأشهر الماضية، رغم الرسائل والاحتجاجات المتكررة.
وأكدوا أن هذا التجاهل دفعهم إلى تصعيد الضغط الشعبي، والانتقال من المطالب الرمزية إلى حملات ضغط يومية وممنهجة، مشددين على أنهم لن يتراجعوا عن التحرك حتى يتم الإعلان رسميًا عن عدم تجديد السندات.
المال العام تحت المجهر الأخلاقي
يرى خبراء في الاقتصاد السياسي أن القضية تتجاوز كونها استثمارًا ماليًا بحتًا، ويقول أحد استاتذة الاقتصاد العام بجامعة شيكاغو، إن:
“استثمارات الخزانة العامة لا تُقاس بالعائد المالي فقط، بل بالانعكاسات السياسية والأخلاقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بصراعات مسلحة متهمة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان”.
ويضيف أن الضغوط الشعبية قد تفرض على المسؤولين إعادة تقييم معايير الاستثمار، خصوصًا في ظل تصاعد الوعي العام بدور المال في تغذية النزاعات.
سابقة قد تمتد إلى ولايات أخرى
من جهتها، ترى الباحثة في السياسات العامة سوزان ميلر أن حملة إلينوي قد تمثل سابقة خطيرة ومؤثرة في الوقت نفسه،
موضحة أن: “نجاح هذه الحملة قد يفتح الباب أمام حركات مشابهة في ولايات أخرى، ما يضع استثمارات السندات الإسرائيلية في الولايات المتحدة تحت مراجعة سياسية غير مسبوقة”.
وتشير إلى أن تسييس قرارات الخزانة العامة لم يعد استثناءً، بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لحالة الاستقطاب الداخلي حول القضايا الدولية.

بين العائد المالي والضغط السياسي
تقليديًا، تُسوّق السندات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة باعتبارها استثمارًا آمنًا ومستقرًا، غير أن نشطاء الحملة يؤكدون أن الاستقرار المالي لا يبرر التورط الأخلاقي، مطالبين بفصل أموال دافعي الضرائب عن أي استثمارات مرتبطة بحروب أو انتهاكات حقوقية.
ويعتبرون أن استمرار الاستثمار يمثل تجاهلًا متعمدًا لمواقف شريحة متنامية من الأميركيين الرافضين للحرب على غزة.
اختبار حقيقي لاستقلال القرار المالي
تمثل حملة «اتصل، راسل، وانشر» اختبارًا حقيقيًا لمدى استقلال القرار المالي في الولايات المتحدة عن الضغط الشعبي والأخلاقي. فهي لا تستهدف فقط قرار تجديد سندات بقيمة 15 مليون دولار،
بل تطرح سؤالًا أعمق حول دور المال العام في النزاعات الدولية، وحدود المسؤولية السياسية للمؤسسات المالية المحلية.
ومع اقتراب موعد استحقاق السندات، تبقى الأنظار متجهة إلى مكتب أمين خزانة إلينوي، حيث سيحدد القرار المنتظر ما إذا كانت الخزانة ستصغي لصوت الشارع، أم تواصل السير في مسار استثماري بات محل جدل واسع داخل الولاية وخارجها.


