“خطوات قبل صناعة الشرق الجديد”
يقع الكتاب في 177 صفحة، وهو ترجمة لأربع مقالات نشرها السير مارك سايكس بين عامي 1907 و1909 في دوريات علمية بريطانية، ثم جمعها لاحقاً في كتابه الأكبر “The Caliphs’ Last Heritage” عام 1915.
صدرت الترجمة العربية عام 2020 ضمن سلسلة “المركز الثقافي الآسيوي – مشروع الرحلات”.
يصنف الكتاب ضمن أدب الرحلات، والدراسات الاستعمارية، والأنثروبولوجيا، والتاريخ السياسي للشرق الأوسط.
يركز الكتاب على منطقة العراق العثماني في مطلع القرن العشرين، ويقدم مادة تاريخية فريدة عن القبائل والجغرافيا والعلاقات السياسية في تلك الحقبة.
مقدمة
يحمل اسم مارك سايكس في الذاكرة العربية وقعاً خاصاً، حيث يرتبط باتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة عام 1916.
تلك الاتفاقية السرية التي قسّمت المشرق العربي بين بريطانيا وفرنسا، ورسمت حدوداً مصطنعة لا تزال تشعل الصراعات حتى اليوم.
قبل أن يكون سايكس ذلك الدبلوماسي الذي أعاد تشكيل خريطة المنطقة، كان رحّالاً شاباً تجوّل في ربوع العراق العثماني بين عامي 1905 و1913.
دوّن مشاهداته عن الجغرافيا، والقبائل، والعلاقات السياسية، والتركيبة الاجتماعية للمنطقة.
تقدم الترجمة العربية للقارئ فرصة نادرة لقراءة المنطقة بعيون أحد أكثر المستشرقين تأثيراً في تاريخها الحديث.
تكشف كيف كانت “الخطوات” الأولى لرجل سيعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكمله.
صدرت هذه الرحلات في أربع مقالات ضمن دوريات علمية بريطانية متخصصة.
ثم جمعها لاحقاً في كتابه الأكبر عن “تركة الخلفاء الأخيرة”.
هذا الكتاب هو شهادة حية على آلية عمل الإمبريالية التي تسبق أعمالها العسكرية بجمع المعرفة.
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
ينطلق الكتاب من أطروحة جوهرية مفادها أن المعرفة الاستعمارية لا تنفصل عن المشروع الإمبريالي.
وأن الرحلات الاستكشافية لم تكن مجرد فضول علمي، بل كانت أداة لجمع المعلومات التي ستُستخدم في رسم السياسات وتقسيم المناطق.
فمارك سايكس لم يكن رحّالاً عابراً، بل كان مستشرقاً وجاسوساً استعمارياً بامتياز.
يجمع البيانات عن القبائل والموارد والتحالفات السياسية، ليُمدّ بها الوزارات البريطانية.
ويتخذها طريقاً مباشراً إلى صنّاع القرار في لندن.
تكمن أهمية الكتاب في كونه يكشف كيف بدأت ملامح “الشرق الجديد” بالتشكل في الفكر الغربي.
من خلال عدسة استعمارية نظرت إلى المنطقة باعتبارها مادة خام قابلة للتقسيم والهندسة.
وليس باعتبارها كياناً له تاريخه وهوياته المستقلة.
وهكذا يصبح الكتاب وثيقة تاريخية تروي كيف تحولت المعرفة الجغرافية إلى خرائط سياسية.
وكيف تحولت الرحلات الاستكشافية إلى حدود دموية ما زالت ترسم صراعاتنا حتى اليوم.
أهم فصول الكتاب ومضمونها
يتألف الكتاب من ترجمة لأربع مقالات نشرها سايكس في دوريات علمية بريطانية رصينة.
المقالة الأولى: “القبائل الكردية في الإمبراطورية العثمانية”، نُشرت في مجلة المعهد الأنثروبولوجي الملكي عام 1908.
وتُعد الأهم في الكتاب، حيث تقدم فهرسة تفصيلية لأكثر من 80 قبيلة كردية في المنطقة.
مع تقسيمها إلى ست مناطق جغرافية رئيسية، وترقيم كل قبيلة برقم محدد.
مع وصف لعدد الأسر، والعادات، والديانة، والموقع، والعلاقات مع القبائل الأخرى.
وقد أرفق سايكس خرائط توضح توزيع هذه القبائل.
المقالة الثانية والثالثة: “رحلات في شمال ما بين النهرين” (جزءان)، نُشرتا في المجلة الجغرافية الملكية عام 1907.
وتوثقان رحلة سايكس الميدانية في المنطقة مع وصف دقيق للجغرافيا والطبيعة والمدن والآثار.
والتركيبة السكانية والعلاقات بين العرب والأكراد.
المقالة الرابعة: “الانحناء الغربي لنهر الفرات”، نُشرت في المجلة الجغرافية الملكية عام 1909.
وتوثق رحلة سايكس في منطقة غرب نهر الفرات مع وصف للقلاع الأثرية وتحليل لأهمية المنطقة الاستراتيجية.
تتسم هذه المقالات بالطابع العلمي الظاهري من إحصاءات وخرائط ووصف دقيق.
لكنها في جوهرها تقرير استخباراتي يهدف إلى جمع معلومات عن القبائل والموارد والتحالفات.
تمهيداً لاستخدامها في السياسة البريطانية.
وقد اعترف سايكس نفسه بأن المعلومات التي قدمها هي حصيلة رحلة على ظهر حصان بلغت 7500 ميل.
وبعض المحادثات التي دارت بينه وبين رجال الشرطة وسائقي البغال ومالكي الخيول وشيوخ القبائل ورعاة الأغنام.
اقتباسات من الكتاب
يقول سايكس في وصف منهجيته: “حصيلة رحلة على ظهر حصان بلغت 7500 ميل، وبعض المحادثات التي دارت بيني وبين رجال الشرطة وسائقي البغال، ومالكي الخيول، وشيوخ القبائل، ورعاة الأغنام”.
ويصف العرب بأنهم “كسالى” و”غير قادرين على العمل”.
وأنهم “يكرهون العمل ويبغضونه”.
وهو وصف عنصري يبرر التدخل الاستعماري.
أما الأكراد فيصفهم بأنهم “شعب غير مفهوم” و”بسطاء” و”ساذجون”.
لكنه في الوقت نفسه يثني على “عقلهم الغربي” و”قدراتهم العملية”.
تعكس هذه الاقتباسات النظرة الاستعلائية والعنصرية التي نظر بها سايكس إلى الشعوب التي زارها.
وكانت تبرر التدخل الاستعماري والسيطرة على مقدرات المنطقة.
أهم أقوال الكتاب
يتجلى التصور الاستعماري في وصف سايكس للدولة العثمانية باعتبارها “رجل أوروبا المريض” الذي أوشك على الموت.
وإلى المنطقة العربية باعتبارها “تركة” يجب على القوى الأوروبية أن تتسلمها.
هذا التصور يضع الشرق في موقع الجماد أو الميراث الذي يوزعه الأقوياء.
وليس في موقع الفاعل التاريخي.
ويبرز أيضاً تحليله للعلاقات بين العرب والأكراد وكيف يمكن استغلالها لصالح الإمبراطورية.
ونظرته إلى المنطقة كـ”فراغ” يمكن ملؤه بالمشاريع الاستعمارية.
كما في تحليله لخط السكة الحديدية وسبل استيطان الصحراء.
وتظهر أقواله أيضاً في تحليله للقبائل وتصنيفها حسب درجة ولائها ومدى قابليتها للسيطرة عليها.
أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب للقارئ العربي في كونه نافذة على عقلية المستعمر.
وكيف نظر صنّاع الشرق الأوسط الحديث إلى المنطقة.
وكيف جمعوا المعلومات التي استخدموها في تقسيم بلادنا.
يقدم الكتاب مادة أنثروبولوجية نادرة عن القبائل الكردية والعربية في مطلع القرن العشرين.
وهي مادة قد تفيد الباحثين في تاريخ المنطقة.
كما يكشف آليات الإمبريالية وكيف أن المعرفة الاستعمارية لم تكن محايدة.
بل كانت أداة للسيطرة والهيمنة.
ويدعو الكتاب إلى إعادة قراءة التاريخ من منظور نقدي.
والتفكير في كيفية تشكيل هذه الرحلات لوعي المستعمر.
وكيف انعكس هذا الوعي على واقعنا اليوم.
نقد الكتاب
وُجّهت إلى الكتاب عدة انتقادات.
منها أنه اكتفى بوصف سطحي للقبائل دون تقديم تحليل عميق لعاداتهم وتقاليدهم.
واقتصر على الإحصاءات والأوصاف الخارجية.
كما ينتقد البعض الكتاب لأنه يعكس رؤية عنصرية واستعلائية.
ولا يقدم المترجمون نقداً كافياً لهذه الرؤية.
مما قد يجعله مقبولاً لدى بعض القراء دون وعي بخطورته.
ويرى آخرون أن الكتاب أقرب إلى تقرير استخباراتي منه إلى أدب رحلات.
مما يجعله وثيقة سياسية أكثر منه عملاً أدبياً.
وهذا يقلل من قيمته الأدبية، ويزيد من قيمته التاريخية.
ويرى بعض النقاد أن المترجمين لم يقدموا قراءة نقدية كافية للمادة.
واكتفوا بالترجمة والتعليق الهامشي.
مما يترك القارئ غير المتخصص عرضة لتأثير الرؤية الاستعمارية.
مع ذلك يُعترف للكتاب بقيمته التاريخية.
ويُستخدم كمرجع مهم للباحثين في تاريخ الشرق الأوسط والاستشراق والعلاقات الدولية والأنثروبولوجيا.
كتب مشابهة
يمكن مقارنة هذا الكتاب بأعمال رحالة ومستشرقين آخرين.
مثل رحلات تشارلز مونتاغيو دون، وكتابات جيرترود بيل حول المنطقة.
وأعمال المستشرق الإنجليزي سانت جون فيلبي.
كما يمكن وضعه في سياق أدب الرحلات الاستعمارية الذي ازدهر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
والذي استخدمته القوى الأوروبية لجمع المعلومات عن مستعمراتها المستقبلية.
كما أنه يشبه في منهجيته الوثائق الاستخباراتية البريطانية عن المنطقة.
مثل تقارير “أرابيان بوليتيكال ميموراندا”.
ويمكن مقارنته بكتابات الرحالة الألمان والفرنسيين الذين زاروا المنطقة في الفترة نفسها.
مثل رحلات ماكس فون أوبنهايم وأعمال المستشرقين الفرنسيين في بلاد الشام.
ربط الكتاب بالواقع الآن
يكتسب الكتاب أهمية خاصة في زمن تعود فيه فكرة “تقسيم الشرق” إلى الواجهة.
وتتصاعد فيه التوترات الطائفية والقومية.
فما زلنا نعيش تداعيات الحدود التي رسمها سايكس وبيكو.
وما زالت الصراعات في سوريا والعراق ولبنان وفلسطين تعكس أثر تلك التقسيمات الاستعمارية.
كما أن الجدل حول الهوية والمواطنة والطائفية في المنطقة العربية يعود جذوره إلى الرؤى الاستعمارية.
التي صنفت المجتمعات العربية على أسس طائفية وقبلية.
وهي التصنيفات التي ساعد سايكس وغيره من المستشرقين في بلورتها.
وتأتي أهمية قراءة هذا الكتاب اليوم في سياق محاولات فهم جذور الأزمات الحالية.
وفكك آليات التقسيم التي لا تزال تشكل واقعنا السياسي.
كما أنه يذكّرنا بأن “صناعة الشرق الجديد” لم تكن مشروعاً محايداً.
بل كانت عملية هندسة سياسية تهدف إلى خدمة المصالح الاستعمارية على حساب وحدة المنطقة واستقرارها.
سيرة المؤلف وجنسيته وكتبه
السير مارك سايكس (1879–1919) هو مستشار سياسي ودبلوماسي وعسكري ورحالة بريطاني.
وُلِدَ في لندن لعائلة أرستقراطية ثرية، وتلقى تعليمه في كلية بيومونت ثم في كامبريدج.
خدم في حرب البوير الثانية (1899-1902)، ثم عُيّن سكرتيراً خاصاً لكبير سكرتارية أيرلندا.
انتخب عضواً في البرلمان البريطاني عن حزب المحافظين عام 1911.
كان مختصاً بشؤون الشرق الأوسط، وجال في المنطقة عدة مرات بين 1905 و1913.
وكتب عن رحلاته في مقالاته الأربع، ثم في كتابه الشهير “The Caliphs’ Last Heritage” عام 1915.
في الحرب العالمية الأولى، عُيّن مستشاراً سياسياً للحكومة البريطانية.
وكان الممثل البريطاني في المفاوضات السرية التي أدت إلى اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 مع الفرنسي فرانسوا جورج بيكو.
كما لعب دوراً محورياً في صياغة وعد بلفور عام 1917.
حيث قاد المفاوضات مع القيادة الصهيونية.
توفي عام 1919 بسبب الإنفلونزا الإسبانية عن عمر يناهز 39 عاماً.
ودُفن في سليدمر هاوس في يوركشاير.
في عام 2008، تم نبش جثته لأغراض بحثية لدراسة فيروس الإنفلونزا الإسبانية.
يُعدّ سايكس واحداً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
حيث ارتبط اسمه بتقسيم المنطقة وزرع بذور صراعاتها المستمرة.
الكتاب في ميزان الإسلام
يمكن النظر إلى الكتاب من منظور نقدي إسلامي.
حيث يمثل نموذجاً للاستشراق الاستعماري الذي نظر إلى الإسلام والمسلمين بعيون عنصرية.
فقد وصف سايكس العرب والمسلمين بصفات سلبية.
ونظر إلى الدولة العثمانية باعتبارها كياناً آيلاً للسقوط.
مما يعكس جهلاً بتاريخ الإسلام وحضارته.
كما أن تقسيم المنطقة العربية وتجزئتها يتناقض مع مبادئ الوحدة الإسلامية والأخوة الإيمانية.
ويتناقض مع مفهوم الأمة الواحدة الذي قرره القرآن والسنة.
ومع ذلك يبقى الكتاب مهماً للدارسين المسلمين من منظور “اعرف عدوك”.
لفهم آليات الاستعمار الفكري والسياسي التي استهدفت العالم الإسلامي.
كما يبيّن الكتاب كيف وظف المستشرقون المعرفة الأنثروبولوجية والجغرافية في خدمة المشاريع الاستعمارية.
وهذا يدعو الباحثين المسلمين إلى تطوير منهجيات نقدية لتفكيك الخطاب الاستشراقي.
وكشف أهدافه السياسية التي تستهدف تفكيك وحدة المسلمين وتقسيم بلادهم.






