في عالمٍ يموج بالصراعات، تبقى إسرائيل ظاهرة سيئة في التاريخ السياسي والاجتماعي الحديث؛ دولة قامت على الاحتلال، وتستمد تماسكها من الخوف الدائم.
وقد حاول عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ أن يقرأ هذه المفارقة من الداخل، في كتابه اللافت «المجتمع الإسرائيلي: حدود الدولة وجبهاتها»، ليكشف أن هذا الكيان الذي يبدو متماسكًا من الخارج، إنما يقوم في العمق على انقسامات إثنية ودينية وسياسية تهدد كيانه ذاته.
المؤلف: باروخ كيمرلينغ (1939–2007)
يُعَدّ من أبرز علماء الاجتماع الإسرائيليين، وأحد الأصوات النادرة التي واجهت المشروع الصهيوني بنقد علمي صارم. وُلد في رومانيا، وهاجر إلى فلسطين المحتلة في طفولته، ودرّس في الجامعة العبرية بالقدس.
تميّزت أعماله بجرأة فكرية وموضوعية نادرة، فقد تناول جذور العسكرة في إسرائيل، والتناقض بين الديمقراطية والاحتلال، وكتب عن الفلسطينيين بوصفهم شعبًا مناضلًا لا «أقلية مزعجة» كما تصفهم المؤسسة الصهيونية.
من مؤلفاته الأخرى: «الشعب الفلسطيني: تاريخ من الاستعمار والمقاومة» (بالاشتراك مع جويل مغدال)، و**«اختراع وتراجع الإسرائيلية»**.
عن الكتاب
يتناول كيمرلينغ المجتمع الإسرائيلي من منظور سوسيولوجي، متتبعًا نشأة الدولة وبنيتها وتناقضاتها. وهو لا يتحدث عن “إسرائيل الرسمية”، بل عن إسرائيل العميقة: مجتمع استيطاني يعيش على الدوام في حالة استنفار، ويعرّف ذاته من خلال العدو لا من خلال مشروع حضاري أو ثقافي.
ويرى أن الدولة الإسرائيلية لم تتأسس كدولة طبيعية، بل كـ مشروع أمني استيطاني يعتمد على الجيش بوصفه العمود الفقري للمجتمع، وعلى الأسطورة التوراتية لتبرير الوجود السياسي.
أبرز مضامين الكتاب
1- المجتمع الاستيطاني: البدايات
يوضح كيف تشكّل المجتمع اليهودي في فلسطين قبل عام 1948 كمجتمع استيطاني مغلق، له مؤسساته الاقتصادية والعسكرية، وأن هذا الشكل العسكري من التنظيم ما زال يحكم الدولة حتى اليوم.
2- الجيش والدين والهوية
يصف الجيش بأنه «المؤسسة المقدسة الجديدة» في إسرائيل، فهو الذي يمنح المواطن شرعية الانتماء، ويُعيد إنتاج الهوية القومية. أما الدين، فقد تحوّل من رمز روحي إلى أداة سياسية لشرعنة الاستيطان.
3- الانقسامات الداخلية
يكشف عن التوترات العميقة بين اليهود الأشكناز (الغربيين) واليهود الشرقيين (السفارديم)، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود والروس الجدد، معتبرًا أن هذه الانقسامات تهدد وحدة المجتمع من الداخل.
4- المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل
يتناول المؤلف الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد عام 1948، بوصفهم «مواطنين ناقصي الحقوق»، ويرى أن التمييز ضدهم جزء بنيوي من هوية الدولة، وليس انحرافًا سياسيًا مؤقتًا.
5- العسكرة الدائمة والحدود المفتوحة
يصف كيمرلينغ إسرائيل بأنها «مجتمع يعيش على الجبهة»، إذ لا تفصل بين الحياة المدنية والعسكرية حدود واضحة، ففكرة الأمن تحكم الاقتصاد، والتعليم، والسياسة، وحتى الأدب والفن.
6- تحولات ما بعد 1967
يناقش توسع الاحتلال بعد حرب يونيو وصعود التيار القومي الديني، الذي حوّل المشروع الصهيوني من علماني حداثي إلى مشروع توراتي استيطاني متطرف، يقدّس الأرض على حساب الإنسان.
أبرز المقولات والأفكار
«إسرائيل لا تستطيع أن تعيش بلا عدو، لأن وجوده شرط لوجودها.»
«الجيش الإسرائيلي هو الدين المدني الجديد للدولة.»
«الاستيطان ليس سياسةً مؤقتة، بل هو بنية اجتماعية وثقافية.»
«الهوية الإسرائيلية صُنعت في المختبرات أكثر مما وُلدت في الواقع.»
الرأي العربي: قراءة من الخارج
يرى العديد من المفكرين العرب أن كتاب كيمرلينغ، رغم صدوره من داخل المؤسسة الأكاديمية الإسرائيلية، يؤكد ما ظلّت تردده التحليلات العربية منذ عقود: أن المجتمع الإسرائيلي كيان هشّ مصطنع يقوم على الخوف والتفوق العسكري لا على وحدة ثقافية أو تاريخية.
ويعتبر بعض النقّاد العرب أن ما كتبه كيمرلينغ يمثل اعترافًا ضمنيًا بأزمة الهوية الصهيونية، وبأن إسرائيل ليست مشروعًا حضاريًا بل «قلعة محاصَرة» لا تعيش إلا في ظل عدو خارجي دائم.
كما يلفت المفكرون العرب إلى أن انكشاف الانقسامات الداخلية — بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليهود واليهود، وبين المركز والأطراف — يؤكد أن التفكك الاجتماعي قد يصبح التهديد الأكبر للدولة من داخلها، لا من حدودها.
البعد الفكري والسياسي
يمثّل هذا الكتاب محاولة نادرة لتحليل بنية إسرائيل من الداخل بأدوات علم الاجتماع لا بدعاوى الأيديولوجيا.
وهو يبيّن أن الدولة التي قدّمت نفسها نموذجًا ديمقراطيًا في الشرق الأوسط تقوم في الواقع على تمييز إثني واستعمار دائم، وأن حلم «الإسرائيلية الجامعة» يتراجع أمام صعود الهويات الدينية والقومية المتنازعة.
إن كيمرلينغ لا يكتب كعدو لإسرائيل، بل كمفكر يقرأ موتها البطيء من داخلها.
كتب قريبة في الطرح والنقد
عزمي بشارة: «الدولة اليهودية والديمقراطية»
إيلان بابِه: «الاستعمار الاستيطاني في فلسطين»
سامي سموحة: «المجتمع الإسرائيلي المعاصر»
مجموعة مؤلفين: «ما بعد الصهيونية»
هذا الكتاب
كتاب «المجتمع الإسرائيلي» ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو مرآة تكشف الوجه الحقيقي لمجتمع يعيش على التناقضات ويخشى ذاته أكثر مما يخشى أعداءه.
إنه نصّ يُفهم من خلاله أن إسرائيل — مهما بدت قوية — هي دولة مأزومة في جوهرها، وأن مشروعها القائم على الخوف والعسكرة والاستيطان لا يمكن أن يقدّم سلامًا ولا حضارة، بل صراعًا دائمًا مع الآخرين ومع نفسها.





