يمر الاقتصاد في العراق بمرحلة استثنائية لإعادة تقييم مؤشراته البنيوية وموازنة التزاماته السيادية، حيث تسعى الدولة جاهدة لفك ارتهان ماليتها العامة بعوائد الصادرات النفطية وتأمين قنوات إيرادات محلية أكثر استدامة.
مؤشرات بنيوية
أوضح المستشار العراقى الحكومي مظهر صالح أن تجاوز الدين العام حاجز 40% من الإيرادات لا يعني الخطر، فالمؤسسات الدولية تقيس الاستدامة بنسبة الدين للناتج المحلي، وكلفة الخدمة، والقرار التوليدي للمال.
حدود آمنة
ويبلغ إجمالي الدين العراقي العام قرابة 36% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة آمنة تقع ضمن الحدود العالمية المقدرة بستين بالمئة، مع تراجع ملحوظ في حجم الالتزامات الخارجية السيادية المستحقة.
ولا تتجاوز الديون الخارجية المستحقة حتى عام 2028 حاجز 9 مليارات دولار، ويمكن خفض هذه النسبة عند تسوية المبالغ العالقة باتفاقية نادي باريس لشطب 80% من التزامات ثماني دول.
شق داخلي
تخطى الدين الداخلي حاجز 100 تريليون دينار، ما يعادل 80 مليار دولار، مشكلاً الكتلة الأكبر من المديونيات، ويبقى تأثيره محدوداً على الاستقلال المالي لقلة الالتزامات الخارجية السيادية المستحقة.
وتوجد متأخرات مالية مستحقة للقطاع الخاص من مقاولين ومزارعين تعادل حجم الدين الداخلي، وستُدرج رسمياً ضمن الديون الداخلية لتسويتها أصولياً في حال تعذر سدادها مباشرة من المالية العامة.
ريعية الموازنة
يكمن التحدي الحقيقي في ارتهان المالية العامة لتقلبات أسعار النفط بالأسواق العالمية، فأي هبوط بالأسعار يرفع نسبة الدين للإيرادات، ويقلص مرونة السياسات المالية، ويزيد الضغوط الحمائية على الموازنة.
ويرى صندوق النقد الدولي أن الإشكالية الرئيسة للعراق لا تكمن بحجم المديونية، بل تتركز في كيفية احتواء العجز المالي المتكرر، وتنويع مصادر الإيرادات العامة لتفادي الهزات الاقتصادية المفاجئة.
مستهدفات عشرية
تستهدف خطط الإصلاح الحالية رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية تدريجياً لتصل 45% خلال عقد من الزمن، وتعد النسبة قفزة كبيرة مقارنة بالمستويات الراهنة التي لا تتخطى حاجز 10%.
آليات إصلاحية
ترتكز استراتيجية التحول المالي على تحسين الجباية الضريبية والجمركية، وأتمتة الأنظمة، وتوسيع القاعدة الوعائية، بجانب إصلاح القطاع المصرفي، وتنشيط الاستثمار، وتحفيز فعاليات القطاع الخاص لضمان السيولة المستدامة.
وتثبت المعطيات المالية أن تخفيف التبعية النفطية هو طوق النجاة الأوحد للاقتصاد العراقي؛ مما يتطلب تسريع الأتمتة وإصلاح المصارف لبناء قاعدة إيرادات مرنة قادرة على استيعاب الصدمات الدولية.


