في الزمن الغابر، كان بعض الهاربين من استحقاقات الواقع يلوذون بأحاديث الاستحاضة وأحكام الوضوء وهل الجن الذي يمس الإنسان ذكر أم أنثى، وتفاصيل التفاصيل، بينما كانت الأمة تتلقى الضربات من كل اتجاه.
وكان العامة يتساءلون: هل هذه هي المعركة التي تستحق أن تُخاض؟ وهل هذا هو السؤال الذي يتوقف عليه مصير الناس؟
واليوم، وبعد عشرات السنين، يبدو أن بعضنا ما زال يدور في الحلقة نفسها، لكن بعناوين أكثر إثارة وقدرة على حصد المشاهدات والتفاعلات.
فبينما تتصدع الأسرة، وتتراجع منظومة القيم، ويتحول الهاتف المحمول إلى مربي الأجيال الأول، وتغرق عقول المراهقين في مستنقعات الإباحية والإدمان الرقمي والتفاهة المنظمة، يخرج علينا من يخوض معركة كبرى حول جواز أو عدم جواز إتيان المرأة في دبرها، وكأن الأمة لم يعد ينقصها سوى حسم هذا الملف المصيري لتعود إلى رشدها وتستأنف مسيرتها الحضارية!
لا اعتراض على بيان الحكم الشرعي، فهذه وظيفة العلماء.
لكن الاعتراض على أن تتحول القضايا الشاذة إلى قضايا مركزية، وأن يُستهلك الجهد والوقت والمنابر في مطاردة الظواهر الهامشية، بينما الظواهر الكبرى تسرح وتمرح بلا مقاومة حقيقية.
فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس:
هل هذا الفعل حلال أم حرام؟
بل: كيف وصلنا أصلًا إلى مجتمع أصبح فيه هذا السؤال متداولًا بهذا الحجم؟
من الذي صنع أجيالًا تتلقى ثقافتها الجنسية من مواقع البورنو لا من الأسرة ولا من التربية ولا من الدين؟
من الذي ترك الأطفال والمراهقين نهبًا للشاشات حتى أصبحت أفلام الإباحية أكثر حضورًا في تشكيل وعي بعضهم من المدرسة والبيت والمسجد؟
من الذي أقنع بعض الأزواج والزوجات بأن العلاقات الإنسانية تُدار وفق سيناريوهات شركات إنتاج الأفلام الإباحية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُناقش.
أما أن نترك المصنع الذي ينتج الأزمة، ثم ننشغل بالمنتج النهائي، فذلك يشبه طبيبًا يقف أمام مريض ينزف من عدة طعنات، ثم يخصص محاضرته كلها للحديث عن خدش صغير في إصبعه.
لقد أصبحنا أحيانًا أمام ظاهرة غريبة؛ فكلما اشتدت أزمات المجتمع، ازداد بعض المتصدرين انشغالًا بالقضايا التي تضمن الجدل والانتشار.
وكأن المهمة لم تعد قيادة الناس إلى الوعي، بل ملاحقة أكثر الأسئلة غرابة وإثارة على مواقع التواصل.. من الشعوب.. من يتصدر للقضايا الكبرى؟!
إن المجتمع الذي تتراجع فيه الأمانة، وتضعف فيه الروابط الأسرية، ويعاني فيه الشباب من الضياع والبطالة والإدمان والعزلة والانفصال عن القيم، لا يحتاج فقط إلى من يخبره بما يجوز وما لا يجوز، بل يحتاج إلى من يعيد إليه البوصلة أصلًا.
فالمشكلة ليست في غياب الفتوى، وإنما في غياب الأولويات.
وليست الكارثة أن نجد فتوى شاذة هنا أو هناك، وإنما أن تتحول الشواذ إلى عناوين المشهد، بينما القضايا الكبرى تُركن في الهامش.
لقد آن الأوان لأن نسأل سؤالًا مختلفًا:
من يعيد سفينة الأخلاق إلى مسارها؟
أما الجدل حول الدبر والاستحاضة وأشباههما، فقد يملأ ساعات من البث المباشر، لكنه لن يبني أسرة، ولن يحمي طفلًا، ولن يصنع جيلًا، ولن ينتشل مجتمعًا من القاع الذي يتدحرج إليه كل يوم.


