في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقّد فيه التحالفات، لم يعد مفهوم السيادة يُقاس فقط بغياب القواعد العسكرية الأجنبية من أراضي الدولة، بل بقدرتها على توجيه هذه القواعد، وتحديد دورها، وفرض القيود على استخدامها بما يخدم مصالحها الوطنية.
ومن هنا تبرز مقارنة لافتة بين دول الخليج وأوروبا: منطقتان تستضيفان حضورًا عسكريًا أمريكيًا، لكنهما تختلفان — بدرجات — في هامش الحركة والقرار.
الخليج: أمنٌ مُستورد أم شراكة مُقيّدة؟
تستضيف دول الخليج العربي واحدة من أعلى نسب الوجود العسكري الأمريكي خارج الولايات المتحدة. ففي قطر، تقع قاعدة العديد الجوية، التي تُعد الأكبر أمريكيًا في المنطقة، ويُقدّر عدد القوات فيها بنحو 10–11 ألف جندي.
وفي البحرين، يتمركز الأسطول الخامس الأمريكي، مع ما يقارب 7 آلاف عنصر.
أما الكويت فتضم عدة منشآت، أبرزها معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم، بإجمالي قوات يُقدّر بنحو 13 ألف جندي.
وفي الإمارات العربية المتحدة، توجد قاعدة الظفرة الجوية، التي تستضيف نحو 3–5 آلاف عسكري أمريكي.
بصورة إجمالية، يمكن تقدير عدد القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في الخليج بما يتراوح بين 10 إلى 15 موقعًا رئيسيًا، فضلًا عن مواقع دعم لوجستي أصغر.
هذا الوجود الكثيف نشأ في سياق تاريخي وأمني، خصوصًا بعد حرب الخليج، حيث برزت الحاجة إلى مظلة أمنية في مواجهة تهديدات إقليمية متزايدة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تستطيع هذه الدول رفض استخدام هذه القواعد في حال تعارضت مع مصالحها؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها تكشف أن الاعتماد الأمني العميق يفرض — في كثير من الأحيان — حدودًا على حرية القرار.
أوروبا والقرار أكثر تعقيدًا
على الجانب الآخر، تستضيف أوروبا أيضًا عددًا كبيرًا من القواعد الأمريكية، في إطار حلف شمال الأطلسي.
في ألمانيا، توجد نحو 35–40 منشأة عسكرية أمريكية، أبرزها قاعدة رامشتاين، ويُقدّر عدد القوات بحوالي 35 ألف جندي.
في إيطاليا، هناك ما يقارب 10–15 قاعدة، تضم نحو 12 ألف جندي.
أما المملكة المتحدة فتستضيف نحو 10 قواعد رئيسية، بقوات تقارب 9 آلاف.
وفي إسبانيا، توجد قاعدتان أساسيتان، مع نحو 3 آلاف عسكري.
بشكل عام، يتراوح عدد القواعد والمنشآت الأمريكية في أوروبا بين 70 إلى 100 موقع عسكري بدرجات مختلفة من الأهمية.
ورغم هذا الحضور الكبير، فإن دولًا أوروبية أظهرت في مناسبات متعددة قدرتها على فرض قيود على استخدام أراضيها، أو اتخاذ مواقف مستقلة في أزمات دولية، استنادًا إلى اعتبارات داخلية — برلمانية وشعبية — تجعل قرار الحرب أكثر تعقيدًا.
مضيق هرمز ورقة الضغط المفاجئة
في قلب هذه المعادلة الجيوسياسية، يبرز مضيق هرمز كأحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
ورغم التهديدات المتكررة من جانب إيران بإغلاقه، لم يحدث إغلاق كامل فعلي، لكن مجرد التلويح بهذه الورقة ظل أداة ضغط استراتيجية تؤثر على حسابات جميع الأطراف، سواء في الخليج أو أوروبا.
عندما تتقدّم المصلحة الوطنية
ولا يقتصر مفهوم الاستقلال في القرار على التحالفات العسكرية فقط، بل يمتد إلى العلاقات الاقتصادية.
ففي باكستان، برزت في فترات مختلفة محاولات لإعادة ضبط العلاقة مع الدعم المالي الخارجي، بما في ذلك ودائع وقروض مقدّمة من الإمارات العربية المتحدة والسعودية.
ورغم أهمية هذه المساعدات للاقتصاد الباكستاني، اتجهت إسلام آباد في بعض المراحل إلى سداد أجزاء من هذه الودائع، أو إعادة التفاوض حولها، أو تقليل الاعتماد عليها، بما يتماشى مع أولوياتها الاقتصادية والسياسية.
هذا السلوك لا يعكس رفضًا مطلقًا للدعم، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة التوازن، ويؤكد أن:
الدولة، حتى في لحظات احتياجها، تستطيع أن تعيد تعريف علاقتها بالمساندة الخارجية إذا رأت أن كلفتها السياسية أو الاستراتيجية أصبحت مرتفعة.
من يملك القرار؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الفارق بين الخليج وأوروبا يكمن في عدد القواعد أو كثافتها، لكن الحقيقة أعمق من ذلك.
الفارق الحقيقي هو هامش القرار.
فالدول الأوروبية — رغم استضافتها لقواعد أكثر عددًا — تعمل ضمن أنظمة سياسية تفرض قيودًا مؤسسية على استخدام هذه القواعد، وتتيح مساحة أكبر للاعتراض أو التعديل.
بينما تعتمد دول الخليج بدرجة أكبر على التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، ما يجعل قدرتها على الرفض أو التقييد أكثر حساسية وتعقيدًا.
زُبدة القول
السيادة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني العزلة، ولا تُختزل في غياب القواعد العسكرية الأجنبية.
بل تتجلى في القدرة على التحكم في هذه القواعد، وتحديد دورها، وامتلاك حق قول “لا” عندما تتعارض المصالح.
ومن الخليج إلى أوروبا، ومن القواعد العسكرية إلى القروض الاقتصادية، يبقى معيار السيادة واحدًا:
ليس في حجم ما تتلقاه الدولة من دعم، بل في قدرتها على إعادة تعريف شروطه، أو حتى الاستغناء عنه، إن لزم الأمر.


