حدثني الشيخ الدكتور أبو مالك الغزّيّ رفع الله ذكره عن أحد الأفاضل من جهاز الشرطة أنّه كان شاهداً على موقف جليل ما زال يهزّه كلما ذكَره.
وذلك أنّه في أشهر الحرب الأولى الثقيلة وجدوا فتى مُصاباً في نحو السابعة أو الثامنة من عمره ممدّداً في أرضية مشفي ناصر بخانيونس، فسمع منه ومن الأطباء الذين حضروه شيئاً عجيباً.
قصف الأوغادُ منزلَ عائلةِ هذا الفتى المتعدد الطوابق، فهلك كل مَن كان فيه: الجدّ والجدّة، الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والأحفاد، وكذا الأمّ، إلا الأب الذي لم يكن في المنزل، وإلا هذا الفتى.
وجده الدفاع المدني مُجلّلاً بين سقفين ساقطين، قطَعهما عمود مهدوم، فجعلهما كخيمة تظلّل هذا الفتى المبارك، فاستخرجوه من بين الأنقاض جريحاً، ونقلوه إلى المشفي.
لم يكن على لسان الفتى حينها إلا تلك الكلمات: يا ربّ اشفِني، ونجّني، لأظل ذاكراً لك! أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله!
كان الأطباء يعيدون عليه السؤال متعجّبين: ماذا تطلب من الله؟ فيعيد عليهم القول: إنه يريد أن يظلّ من الذاكرين الله كثيراً!
كانت الناس تتعجّب أنه لم يكن يبكي بكاء من هدّته المصيبة، ولم تحيّره الصدمة الهائلة التي وقعت عليه، ولم يتفجّع على أحدٍ من أهله المقرّبين الذين رأى مصارعهم بعينيه، ولم يطلب في دعائه حاجة من حوائج الدنيا التي فقد فيها أهله ومنزله وذكرياته كلها، ولم يرَ أحدٌ على وجهه المنير مسحة اكتئاب!
أقول: هذا الفتى كان مثال الأدب مع الله لأنّه لم يدعُ برفع ما قضاه الله عليه أو التخفيف عنه، فقد رضي بهذا القضاء، وفوّض الأمر إلى ربّه الأعلم به، وتجاوز ما ألمّ به، وأحسب أنّ الله تعالى نظر إلى قلب هذا الفتى الخاشع، فملأ قلبه بالسكينة.
والعجيب أنه جعل التضرع والابتهال في ذكر الله وليس في طلب الحوائج الملحّة، وقد جعل نفسه هنا تحت مجاري الأقدار، واستدعى الرضا والتسليم بالصبر والثبات والتفويض والاحتساب.
لقد فهم هذا الفتى معنى قوله تعالى (فاذكُروني أذكُرْكم)، فالله سبحانه لا ينسى مَن ذكره، وذكرُ الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله (ولَذكرُ الله أكبر).
أو أنّ هذا الفتى قد فهم الحديث القدسيّ: (مَن شغَله ذِكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين) فلا يظنّ أحدٌ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه، بل يعطيه أكمل الإعطاء، لأنّ مَن كان لله كان اللهُ له، وهيّأ له حاجته، كي لا يفتنه الضيق بها.
وفي الصحيح عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه قال: سبَقَ المفرِّدون، قالوا: وما المفرّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات.
إنني أحسب أن هذا الفتى قد انفتح له باب المشاهدة، وانخرط في حال التحقّق، ومن النادر أن نسمعه عن الصغار، وكأنّ الله أظهر حاله لحاجة أهل الثغر آنذاك إلى بيان آياته فيزيد ذلك من ثباتهم؛ زادهم الله ثباتاً، وخفّف عنهم، ولطف بهم، وكتب أجرهم، وعوّضهم أحسن مما فقدوه.


