انتهت معركة أجنادين الأولى بانتصار المسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه على الروم بقيادة وردان كما بينتُ في مقال الأسبوع الماضي.
أما معركة أجنادين الثانية فكانت بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه ضد الروم بقيادة الأَرْطَبُون، وقعت تلك المعركة على أرض أجنادين في فلسطين الحبيبة وعلى ثراها المبارك، وزمانها بعد معركة اليرموك في عهد أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أي في شهر صفر من السنة الخامسة عشرة للهجرة النبوية المشرفة، وكان النصر فيها حليف المسلمين أيضاً، وعلى الرغم من كونها من أصعب المعارك إلا أنها ليست بمستوى صعوبة معركة أجنادين الأولى لكنها هَيَّأَت للفتح العظيم فتح بيت المقدس ومهدت الطريق له.
وأنوّه هنا بأن بعض المؤرخين المسلمين ذكروا معركة واحدة وقعت في أجنادين أيام الخلافة الراشدة في مواجهة الرومان، ولكنهم اختلفوا في زمانها وفي قادتها، ولكن بالتدقيق تبين أنهما معركتان منفصلتان جرت كل واحدة منهما في عهد خليفة غير الآخر، وأن لكل منهما قادة من الفريقين غير القادة الآخرين، وأن لكل منهما أحداث تختلف عن أحداث الأخرى، وقد تناولتُ في مقال الأسبوع الماضي المعركة الأولى واليوم بإذن الله تعالى أتناول المعركة الثانية.
وقصتها بدأت بعد أن حقق المسلمون انتصاراتهم الهائلة في الجبهة الشامية وفتحوا مدنها الكبيرة كدمشق وحمص وحلب وبعلبك وغيرها، وبعد أن تشرذمت معظم القوة الرومانية عقب معركة اليرموك الخالدة، فقد انحازت فلول الروم الساخطين على هزائمهم المتتالية من المسلمين، فتجمعوا في ثلاثة مواقع مثّلت بؤراً ساخنة في محاولة لإحياء التحالف الروماني مع نصارى العرب وهم الغساسنة ضد المسلمين، وهذه البؤر هي أجنادين وغزة وبيسان، فتحتَّم على القادة المسلمين القضاء على هذا الوجود وهذا الحلف الروماني في تلك البؤر قبل أن يستفحل خطرُها ولا يُتَدارك أمرها.
بعد معركة أجنادين الأولى توجه أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد رضي الله عنهما إلى حمص لإتمام ما لديهما من مهام عسكرية في الفترات اللاحقة؛ إذ تمت بعدها فتوحات ومعارك كثيرة مع الروم ومن أبرزها وأهمها معركة اليرموك التي تحطم فيها جيش الروم ومُزِّقَ كل مُمَزَّقٍ بحيث لم تبق منه إلا قيادات وقوات محلية أخذت تقاوم المسلمين، وغالباً ما كان سهلاً على المسلمين القضاء عليها،
أما عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنهما فقد نزلا على بيسان فافتتحاها بسهولة، وصالحا أهل الأردن، ووصل كتاب من الخليفة عمر إلى عمرو يأمره بالمسير إلى إيلياء (مدينة القدس) لفتحها، وأثناء السير إليها واجه حامية قوية للروم في أجنادين عليها قائد رومي لقبه العرب بالأرطبون، وقد طغى لقبه هذا على اسمه الحقيقي، وهو من أدهى قادة الرومان وأبعدِهم غَوْراً وأنْكاهم فعلاً وأشدِّهم بغضاً للمسلمين الذين حطموا كبرياء الرومان تحت أقدام خيولهم ونِصَال سيوفهم، وكلمة أرطبون مقلوبة عن أَطْرِبُون أو (أرِتْيُون) وهي كلمة أعجمية، وربما تعني في اللغة الرومانية أو اللاتينية رتبة في الجيش أو منصباً عالياً في الدولة أو قاضياً أو نائباً لأنه ينتخب انتخاباً ولا يعين تعييناً.
توجه عمرو إلى أجنادبن ليس باختياره كما في اجنادين الأولى، بل لأن الرومان هم الذين اختاروها وتحصنوا فيها قبل الحرب، فوجد عمرو نفسه محصوراً بين عدة جيوش كان قد وضعها الأرطبون في عدة أماكن، فأحدها في إيلياء وآخر في أجنادين، وثالث في الرملة ورابع في غزة وخامس في قيسارية، فوضع عمرو خطة ذكية للخروج من هذا المأزق الصعب تهدف إلى تشتيت العدو وتقوم على ثلاثة عناصر:
* الأول: تحييد منطقة غزة وجيشها في هذه المعركة بعزلها عن منطقة أجنادين، حيث إن غزة كبيرة مقارنة بمنطقة أجنادين وجيشها أكبر من جيش أجنادين الروماني، يضاف إلى ذلك أنها قريبة من مصر وكانت آنذاك تابعة لها، وهما كانتا تحت حكم الرومان.
* الثاني: إرسال مجموعات عسكرية صغيره إلى تلك الجيوش لتشتبك معها وتُشْغِلَها عن الجيش الأساسي لعمرو والمرابط في أجنادين، فبعث الصحابييْن علقمة بن حكيم الفراسي ومسروق العكي رضي الله عنهما على رأس جيش لحصار بيت المقدس، وبعث أبا أيوب المالكي رضي الله عنه إلى جيش الرملة وكان عليها التذارق (وهو أخو هرقل)، وكان الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في قيسارية،
* الثالث: تقسيم الأمداد العسكرية القادمة من عند الخليفة عمر في المدينة بحيث يبعث منها في كل مرة طائفة إلى تلك الجيوش الفرعية لكل جيش على حدته،
وبهذه الخطة المحكمة أمِنَ عمرٌو على جيشه من تلك القوات الرومانية بفتح عدة جبهات في آن واحد لمواجهة عدوه والتفرغ للجيش الأكبر في أجنادين، فأصبح بذلك وضعه مواتياً للتوجه إلى مُنازلة القوة الكبرى فيها،
ضرب عمرو حصاراً شديداً على أجنادين، ولكن الأرطبون ليس بالرجل السهل فصمد بشدة، ولم يستطع عمرو أن يعرف له ثغرة ينفذ إليه منها، ولم يفلح جواسيسه الذين كان يرسلهم إلى الأرطبون في نقل ما يشفي صدره من المعلومات والأخبار، فأبلغ الخليفة بذلك طالباً المدد، وهنا قال الخليفة عمر كلمته الشهيرة [رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فأنظروا عما تَنْفَرِج] ويقصد أن كل واحد من القائدين كان أدهى الرجال في قومه، وقد انفرجت هذه المواجهة السياسية عن استخدام ذكي من عمرو لما وهبه الله تعالى من من حدة الذكاء وشدة الدهاء فنجحت مقاصده وتغلب على دهاء عدوه.
وبيان ذلك أنه قرر القيام بنفسه بمهمة الكشف عن الوضع العسكري للعدو، وهذا عمل فدائي جريء لا يقدم عليه إلا من هو مثله في الشجاعة والتضحية والإقدام، وهكذا ينبغي أن يكون القادة القدوات الذين هم وحدهم من يرفعون شأن دينهم وأمتهم ويقودونها إلى النصر والمجد والرفعة، فسار عمرو إلى الأرطبون على هيئة رسول مبعوث من قائد جيش المسلمين، وكان هدفه الخفيّ كشف عقلية الأرطبون وطريقة تفكيره ومعرفة مواقع جنوده وحصونه وتصيّد ثغراته ليتمكن من اختيار استراتيجية الهجوم عليها، فقابل الأرطبون وأبلغه ما يريد من خيارات وعروضات وسمع كلامه وحاوره وتفاوض معه، وتأمل معسكره وعاين استعداداته، مما يعني أن اللقاء لم يكن خاطفاً بل استغرق مدة،
ولكن، ونظراً للسلوك الغريب لهذا الرسول الذي يتأمل كل شيء حوله فقد غلب على ظن الأرطبون أن هذا ليس برسول عادي وإنما هو عمرو بن العاص نفسه أو أنه على أقل تقدير أحد قادته الذين يعتمد عليهم، فراودته نفسه للغدر به قائلاً لمن حوله [ما كنتُ لأصيبَ القوم بأمرٍ هو أعظم من قتله] فقالوا له: إن كنت ولا بد فاعلاً فاقتله خارج الحصن، فأشار لأحد الحراس أن يَكْمُنَ له وهو خارج من عنده ويقتله غِيلة، وقد نبهنا الله تعالى من غدر عدونا وبالأخص إن كان في موقع القوة والتفوق ونحن في حالة الضعف فقال سبحانه فيهم {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} التوبة 8، فالأعداء مهما كان نوعهم وانتماؤهم حربٌ دائمة على الإيمان وأهله، ولا يراعون اللهَ فيهم ولا يقيمون وزناً لقرابة ولا يحترمون عهداً ولا ميثاقاً لما هم عليه من العداوة والبغضاء، وهي عداوة عامة شاملة لكل مؤمن مهما تباعد عنهم أو سالَمهم ومهما كان وضعه،
فلمّا هَمَّ عمرو بن العاص بالخروج همس له أحد عرب الشام وقد عرف بهذه المؤامرة الخسيسة [أَحْسِنْ الخروج كما أحسنتَ الدخول] كانت هذه مجرد إشارة وتلميح من الشامي، لكن عمراً أمير الدهاء فهمها، فلمعت في ذهنه فكرة عبقرية كسرعة البرق استطاع بها خداع الأرطبون والتخلص من الشَّرَك والفخّ الغادر الذي نصبه له، فقد عاد إليه وقال له [قد سمعتَ مني وسمعتُ منك وقد وقع قولُك مني موقعاً (أي اقتنعتُ به)، وأنا واحدٌ من عشرةٌ بَعَثَنا الخليفة عمر بن الخطاب مع هذا الأمير لنُكاتِفَه ويُشْهِدُنا أمورَه، فَأَرْجِعُ فآتيكَ بهم الآن، فإن رأوْا في الذي عرضتَ مثلَ الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يَرَوْهُ رَدَدْتَهم إلى مَأْمَنِهم وكنتَ على رأسِ أمرِك]
أعجب الأرطبون بهذه الفكرة وانطلت عليه الحيلة إذ إنه قال لعمرو [نعم لك ذلك، انطلِقْ فَجِيْء بأصحابك] فقد طمع هذا الرومي الداهية بقتل هذه النخبة دفعة واحدة، وهذا مكسب عظيم لو أنه تم له القضاء على عشرة من خيرة رجال المسلمين بدلاً من واحد، لكن قضاء الله جل وعلا وتدبيره ويقظه جند الله كان له بالمرصاد، قال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} الحج 38، فأمر الأرطبون الرجلَ المكلف باغتيال عمرو بأن لا يفعل، فخرج عمرو من عنده ولم يعد، فعلم الأرطبون بأن عَمرًا قد نجح في الاحتيال عليه فقال [خدعني الرجل، هذا والله أدهى خلق الله] ولما بلغت هذه الحيلة الخليفة عمرَ قال [غلبه عمرو، لله دَرُّ عمرٍو] ومعنى لله در عمرو أي لله فِعْلُه، قالها عمر مادحاً ومتعجباً من فعل عمرو بن العاص الذي اشتهر بأنه كان داهية العرب رأياً وحزماً وعقلاً ولساناً بل وفي التعامل مع العدو.
وبدخول عمرو إلى وكر عدوه وفي عقر داره عرف ما يريده من كيفية اقتحام الحصن بعد اطّلاعه بنفسه على نقاط ضعفه ومكامن قوته ومداخله ومخارجه، وأصبح أقدر من ذي قبل على حربه، فلما تواجه عمرٌو والأرطبون في أجنادين كان القتال بين الجيشين مريراً ضارياً كالقتال يوم اليرموك، فكانت المعركة صعبة وقاسية، واستمات الرومان فيها حتى كثر القتلى في صفوفهم، وصبر المسلمون صبراً عظيماً حتى فتح الله عز وجل عليهم وانتصروا نصراً مؤزراً وفتحت أجنادين، وانهزم الأرطبون شر هزيمة وفرَّ بمن معه الى بيت المقدس، وقد تعمد المسلمون المحاصِرون للقدس توفير ثَغْرَةٍ له من غير أن يشعر ليدخلها، فدخلها فعلاً وتحصَّن فيها.
وظل الأرطبون على بغضائه للمسلمين، فرفض الصلح معهم لما فتحوا مدينة القدس، فبعد أجنادين سار عمرو بن العاص لفتح القدس، فاقتضى ذلك عودة بقية الجيوش الثلاثة إليه وقد أعياهم الأرطبون المتحصن منهم فيها، وكثر جيشه بقدوم الإمدادات الرومانية له، فكتب الأرطبون إلى عمرو [… وأنك نظيري وأنت في قومك مثلي في قومي، والله لا تَفْتَحُ من فلسطين شيئاً بعد أجنادين، فارْجِعْ ولا تُغَرّ فتلْقَى مثل ما لقي الذي قبلك من الهزيمة] فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرومية فبعثه إلى الأرطبون وقال له [اسمع ما يقول ثم ارجع فأخبرن] وأرسل معه رسالة للأرطبون [جاءني كتابك وأنتَ نظيري ومثلي في قومك، لو أخطأتْكَ خصلةٌ تجاهلتُ فضيلتي، وقد علمتَ أني صاحب فتح هذه البلاد، واقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك ووزرائك] فلما وصله كتاب عمرٍو جمع وزراءه وقرأه عليهم فسألوه : من أين علمتَ أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال : صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف.
رجع الرسول إلى عمرو فأخبره بمقولة الأرطبون، فكتب عمرو إلى الخليفة [إني أعالج حرباً كَئُوداً صَدُوماً، وبلاداً ادُّخِرَتْ لك، فَرَأْيُك؟] ومعنى أعالج حرباً أي أتعامل معها وأواجهها، ومعنى كئوداً أي صعبة شاقّة، ومعنى صَدُوماً أي تأتي بالضربات المفاجئة، ومعنى ادخرت لك أي حُفِظَتْ لك لتفتحها، ومعنى فرأيك أي فما هو رأيك، فلما وصل الكتاب إلى عمر الخليفة علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس.
ظل الأرطبون في القدس حتى فتحها عمرو بن العاص، ولكنه لك يرضَ الصلح الذي قبل به صفرونيوس مع المسلمين، ففرَّ للمرة الثانية من القدس إلى البحر متوجهاً إلى مصر، وما زال على كراهيته للمسلمين، فكان يتولَّى مهاجمتهم وقتالهم بنفسه مع أنه قائد عالي المنزلة، وكان يوجه السرايا البحرية للإغارة عليهم، وفي إحدى تلك المعارك وقعت مواجهة بينه وبين أحد فرسان المسلمين من قيس فقطع الأرطبون يد القيسي، ولكن القيسي تمكن أخيراً من قتله.
إن هذه النهاية تؤكد المشاعر الحقيقية لدى أعداء الإسلام تجاه المسلمين مهما أخفوها، فلْتُدْركْ أمتنا أن عداوة الدين هي أشد أنواع العداوات وأنه لا مودة معها ولا زوال لأثرها مهما امتد الزمان وتعاقبت الأجيال، وأن من يحملونها في قلوبهم وبين ضلوعهم لن يتوانوا يوماً عن محاربة المسلمين كلما سنحت الفرصة لهم، وأنهم لن يَكُفُّوا عن ذلك أبداً مادام المسلمون مسلمين، قال تعالى {… وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة 217. والواقع الذي نعاينه بأبصارنا وبصائرنا هو ترجمان نوايا وغايات عدو الله وعدونا.


