لا خلاف بين أهل العلم في وجوب طاعة الزوج في المعروف، وثبوت حقه على زوجته، لكن الألفاظ التي تجعل الزوج هو «جنة المرأة ونارها» تحتاج إلى ثبوت قوي لا مطعن فيه؛ لأنها ليست مجرد تقرير لأصل وجوب الطاعة، بل يترتب عليها ربط مصير المرأة الأخروي بزوجها على هذا الوجه الخاص، وهو معنى له أثره البالغ في تصور المرأة لعلاقتها بزوجها ومآلها الأخروي.
ولفظ «جنتك ونارك» لفظ عظيم الأثر؛ إذ يُفهم منه أن رضا الزوج وسخطه لهما تعلق مباشر بمصير المرأة الأخروي، ومثل هذا المعنى الجسيم لا يثبت إلا بإسناد قوي سالم من العلل المؤثرة.
والحديث الوارد في ذلك رواه أحمد وغيره عن حصين بن محصن، أن عمة له أتت النبي ﷺ في حاجة، فلما فرغت من حاجتها قال لها: «أذات زوج أنت؟» قالت: نعم. قال: «كيف أنت له؟» قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه. قال: «فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك»
وهذا الحديث ـ وإن صححه بعض أهل العلم أو حسنه ـ فالراجح عندي أنه لا يثبت، وذلك لعلتين:
الأولى: حصين بن محصن؛ فإنه مختلف في صحبته، والراجح أنه تابعي. وليس له توثيق صريح معتبر من أئمة النقد المتقدمين، وإنما ذكره ابن حبان في الثقات، وهذا لا يكفي عند من لا يحتج بتوثيق ابن حبان لمن لم تثبت عدالته من غير جهته. ولذلك فالأقرب أن حصين بن محصن مجهول الحال.
الثانية: الاختلاف الواقع في إسناده؛ فقد ذكر الدارقطني أن جماعة من الحفاظ، منهم مالك بن أنس، ويحيى القطان، وعبد الوهاب الثقفي، وأبو خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير عن حصين أن عمته أتت النبي ﷺ. ثم قال الدارقطني: “فصار في روايته مرسلاً.” وهذه الصيغة التي يختم بها الدارقطني بيان الاختلاف هي في حكم الترجيح؛ إذ لا يُقرِّر هذا الختام إلا وهو يُشير إلى الوجه الراجح عنده.
وما يزيد هذه العلة قوةً أن في مقدمة من رجَّح الإرسالَ يحيى القطان، وهو من أعلم الناس بحديث يحيى بن سعيد الأنصاري وأثبتهم فيه، فترجيحه للإرسال له وزن بالغ في هذا الباب.
ولهذا فإن الاحتجاج بلفظ «جنتك ونارك» ـ مع ما يترتب عليه من تقرير معنى بالغ الخطورة في حق المرأة الأخروي، يحتاج إلى سند سالم من هذه العلل، وأهل النقد أنفسهم كانوا يتشددون في قبول ما يترتب عليه حكم عظيم، والله أعلم.
♦الكاتب؛ أستاذ الحديث وعلومه


