وضحنا فى المقال السابق أن إسرائيل ضربت المثل الكامل فى الخيانة، وأن ما صدر منها من خيانات فى الأزمنة الغابرة، والأيام الحاضرة هو النموذج الأتم للخيانة فى الوجود كله.
ولكن ما جدوى الحديث عن خيانة إسرائيل، وما الذى يفيد القضية من تسليط الضوء على هذه الخيانات الفجة والبشعة، والتى بلغت النهاية فى الوحشية؟
أولا: لا توجد أمة بريئة من الأمراض، ولم تعرف الأرض وطنا نزيها من العلل، ولكن هناك فارق ضخم بين خيانة الفرد، وخيانة الأمة، والمسافة هائلة جدا بين أمة كلها قطعان من الخونة، وبين أمة أخرى الخونة فيها يعدون على الأصابع، أو أفراد قلائل، وحالات شاذة نادرة لا تمثل ظاهرة عامة فى الأمة، فالحالة الأولى يمثلها الإسرائيلى بوضوح، والحالة الثانية مثال لخيانة الفلسطيني.
ثانيا: حين تظهر خيانة فلسطيني يحاول الإسرائيلي أن يروج لوسائل الإعلام أن الفلسطينيين كلهم خونة، وأن الأمور كلها فى قبضته، وأنه يعرف عن الفلسطينيين كل شىء، بل ربما بالغ الإسرائيلي وادع كذبا أنه يعرف الفلسطينيين أكثر من أنفسهم، وأنه لا بد قاهرهم ومنتصر عليهم بفضل امتلاكه لكل وسائل القوة، بما فيها قوة مخابراته واطلاعاته ومعلوماته، وهذا قلب للحقائق، وتزوير للوقائع، فكل صور الخيانة التى ظهرت من الفلسطينيين وحتى ما لم يظهر منها، هى أقل صور الخيانة لأمة من الأمم عرفتها مسامع الدنيا، ووعتها ذاكرة التاريخ، وفى المقابل فإن خيانة بني صهيون هى المثال الكامل للخيانة فى التاريخ.
ثالثا: هذه الخيانة الفجة والكاملة للصهاينة يمكن لرجال المقاومة الفلسطينية أن يستفيدوا منها – وغالب الظن أن هذا واقع معمول به على الأرض منذ زمن بعيد- فى الصراع الدائر بين المسلمين واليهود لتحرير الأرض والمقدسات.
وسنواصل فى هذا المقال ذكر أمثلة قليلة من خيانات بني صهيون لأنفسهم، ولأمتهم، وقتلهم لأبنائهم وإخوانهم، والتى تحتاج إلى موسوعات للإحاطة بالقليل منها، ومن هذه الخيانات:
1 – الصهيونية خيانة لليهودية:
الصهيونية هى حركة تهدف إلى تهجير اليهود من مختلف دول العالم، وتسكينهم فى أى بقعة من بقاع الأرض، وتحويلهم إلى عنصر استيطاني قتالي يقوم على خدمة المصالح الغربية، ومؤخرا تم تحديد هذه البقعة فى فلسطين مدعين كذبا أنها الأرض التى وعدهم الرب إياها فى توراتهم المحرفة.
والمفاجأة هنا أن الصهيونية حركة سياسية قامت على الخيانة العظمى للديانة اليهودية، وذلك فى رأى قطاعات كبيرة من حاخامات اليهود، ومراجعهم الدينية الكبيرة، ومذاهبهم الدينية العريضة، مثل اليهودية الأرثوذكسية، واليهودية الحاخامية، والتى يتبعها الجم الغفير، والجمع الكبير من الشعب اليهودي.
فالصهيونية خيانة عظمى لليهودية، وليس للمسيحية أو الإسلام، أو غيرهما من المبادىء والأديان، وإنما هى خيانة لمبادىء اليهودية التى تجرم وتُحرم على اليهود العودة إلى صهيون (فلسطين) وأن الرب كتب على اليهود التيه والشتات، وأن أي محاولة لتجميع اليهود فى دولة ما هي مخالفة خطيرة وكبيرة لأوامر الرب، بينما يرى التلمود أن أى محاولة للعودة هى بمنزلة الهرطقة والتجديف والتعجيل بالنهاية، ولذلك فلا يوجد فى العصور الوسطى أى فى معظم التاريخ الديني لليهود أى حديث عن العودة إلا باعتبارها حدثا دينيا يتم بمشيئة الرب، بل اعتبرت اليهودية الحاخامية واليهودية الأرثوذكسية أن ما تقوم به الحركة الصهيونية هو كفر بواح.
2- تفجير السفينة باتريا فى ميناء حيفا 1940م
كانت السفينة باتريا تحمل على متنها 1800 مهاجر يهودى قدموا إلى فلسطين بطريقة سرية، ودون تصريح أو إذن من سلطات الانتداب البريطاني، والذى قرر ترحيلهم إلى جزيرة مورشيوس، فثارت ثائرة العصابات الإرهابية الصهيونية، فقامت عصابة الهاجاناة الإرهابية الصهيونية فى صباح الخامس والعشرين من نوفمبر 1940م بتفجير جانب من السفينة باتريا ما تسبب فى مقتل 250 يهوديا على متنها، وذلك لإجبار السلطات البريطانية على قبولهم لاجئين فى فلسطين، وعدم ترحيلهم إلى مورشيوس،
وبعد ثمانية عشر عاما من هذه الجريمة الإرهابية يكتب موشي شاريت رئيس الوكالة اليهودية الأسبق: ” من الضرورى فى بعض الأحيان أن نضحي ببعض الأشخاص فى سبيل إنقاذ الأغلبية”
فهذا الاعتراف بهذه البجاحة الصريحة يذكرنا بالمقولة الشهيرة للطبيب اليهودي أوسكار ليفي: “نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه وجلاديه ومحركى نار الفتنة فيه”
لكن الذى فات أسكار ليفي الاعتراف به أن أول من وقع عليه ظلم العصابات الإرهابية الصهيونية هم قطاعات عريضة من اليهود أنفسهم، وتحديدا اليهود غير الصهاينة.
وهذا أيضا ما تقوم به إسرائيل من حصار شامل لقطاع غزة، ومنع الغذاء والدواء والكساء والكهرباء بل حتى والماء عن سكان القطاع الذى يقارب المليونين والنصف من البشر، وهذه جريمة إبادة جماعية يرتكبها الاحتلال ضد سكان القطاع، ولكن الصهاينة يفعلون ذلك ولهم فى داخل القطاع ما يزيد عن المائة أسير يهودي معرضون للموت جوعا مع أهل القطاع، وإن ماتوا جوعا فالقاتل هو الاحتلال الذى فرض الحصار على الأبرياء، وهذه خيانة لأنفسهم قبل أن تكون خيانة لغيرهم
3 – الإجبار على التهجير
من العقبات الكبري التى واجهت الحركة الصهيونية فى أوائل القرن العشرين هى رفض أغلب يهود العالم لفكرة الصهيونية، وبالتالي رفض فكرة الهجرة إلى فلسطين، فلجأت العصابات الصهيونية الإرهابية إلى وسائل إرهابية وحشية لإجبار اليهود على الهجرة إلى فلسطين، ومن أجل الوصول للتهجير ارتكبت العصابات الصهيونية أبشع وسائل القتل والإرهاب والعنف مع بني جلدتهم من اليهود أنفسهم، فقتلوا الكبار، وخطفوا الأطفال، وخربوا البنيان، ودمروا الأوطان، يقول الكاتب الأمريكي توماس سواريز فى كتابه «دولة الإرهاب.. كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب؟!» : ” لقد بدأت المنظمات الصهيونية باستهداف اليهود أنفسهم بهدف تدمير مجتمعاتهم المحلية، وتدمير أى ملاذات آمنة يلجئون إليها، بل وصل الأمر إلى اختطاف الأطفال اليهود ومضاعفة معاناة المهجرين فى أوروبا بسبب حرب النازيين عليهم، لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين”
وتنفيذا لهذا الفكر الجهنمى قامت العصابات الصهيونية الإرهابية باختطاف المئات من أطفال اليهود فى اليمن والعراق لإجبار أهلهم على الهجرة إلى فلسطين، وارتكبت العصابات الصهيونية الإرهابية الكثير من العمليات الإرهابية الوحشية ضد اليهود الرافضين لفكرة الهجرة إلى فلسطين لإقناعهم بأنهم فى خطر داهم، ولا سبيل للنجاة إلا بالهجرة إلى فلسطين، ففى عام 1950م قامت العصابات الصهيونية الإرهابية بتفجير المعبد اليهودي فى بغداد ما تسبب فى مقتل ثلاثة أشخاص وجرح العشرات من اليهود لبث الرعب وزرع الخوف فى النفوس، لإقناعهم بقبول فكرة الهجرة إلى فلسطين كملاذ آمن من المخاطر التى تدهمهم من فوقهم، ومن تحتهم.
ويؤكد الكاتب الأمريكي توماس سواريز فى كتابه “دولة الإرهاب” أن معظم ضحايا العمليات الإرهابية للعصابات الصهيونية من اليهود غير الصهاينة، وقد يعد الكثير من الجماهير هذا الكلام غير غير واقعى، أو مفاجأة تصل إلى حد الذهول والاندهاش، لكن هذه هى الحقيقة التى يصدقها الواقع، ويؤكدها اليهود أنفسهم، لأن الحركة الصهيونية تعتبر اليهود غير الصهاينة هم العدو الأول لها قبل العرب والمسلمين، لأنهم يعرفون اليهودية والصهيونية أكثر من غيرهم، ويفضحون ألاعيب الصهيونية ومكرها بالإنسانية.
ولا نجد توصيفا أدق لوحشية العصابات الصهيونية الإرهابية مع بني جلدتهم من اليهود خصوصا، ومع غيرهم من الإنسانية عموما من قول الحق تبارك وتعالي: ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]
وأخيرا:
فإن الاستعمار الغربي حقق بتهجير اليهود من أوربا هدفين كبيرين فى وقت واحد: أولاهما: التخلص من مجموعة من البشر هى أخبث وأقذر من مشي على الأرض، وكان سلوكهم وفعالهم فى كل أرض نزلوها، وفى كل بقعة وطؤها أحط من سلوك القردة والخنازير، وكانوا مشاعل فتنة، ومسعرى حروب أينما حلوا، وحيثما ارتحلوا، وكان الهدف الثاني: هو احتلال فلسطين وتحويلها إلى عنصر استيطانى يقوم على خدمة المصالح الغربية، وحماية الأهداف الاستعمارية، والنظرة السطحية تقول أنهم نجحوا فى هدفهم، لكن النظرة العميقة تقول أنهم يتجمعون لحتفهم وهلاكهم، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]


