في العام ١٩٩٦ وفي إحدى الدول العربية؛ حاول أحد العلماء -بعد أول لقاء به مباشرة- ترغيبي في أن أتخصّص في الفقه؛ وفي المذهب المالكي على وجه التحديد، والذي هو مذهبه وتخصّصه، ودفع لي بمتن مختصر فيه، وقال لي: سنجلس معًا عليه دراسةً وتعليقًا.. وقد كان.
بعد مضي حوالي شهرين وجد مني ميلًا للفقه المقارن، وميلًا لبعض آراء أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله في بعض المسائل، وميلًا للشافعي في بعض آرائه وتقعيده وأصوله.. فكان يبتسم ابتسامة اليائس من إقناعي بالاكتفاء بالمذهب المالكي..
ولكني كنت مُصِرًّا على الاستفادة منه قدر ما أمكن الوقت أيامها، لا سيما مع حب أو ميل فطري عندي -أو قل ديني- للمذهب المالكي؛ فكاتب هذه السطور يؤمن بمقولة: المذهب المالكي مذهب الصالحين. وأن فيه نَفَس الإمام مالك رحمه الله وبركة المدينة وبركة أهل المدينة؛ من ذرية المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم..
وحدث أيامها أن رأيت رؤيا في منامي، قمت ليلتها فزعًا مما رأيت، فقصصتها على ذلك الشيخ؛ وهو ضليع في تأويل الأحلام، وأنا خائف من تأويلها، ولكن -وكما هو معروف- ليس كل ما يُكْرَه في حياتنا يكون مكروهًا في الرؤى.. فضحك الشيخ وقال: ربنا ينفع بك يا سيدي! وأنا أتعجب من ضحكه وكلامه، ثم قال: كده أكدت لي إنك تميل للتفسير وعلوم القرآن والتخصص فيه وليس في الفقه رغم حبك له واهتمامك به منذ الصغر..
لم أكترث لتأويل الشيخ ولم أقتنع به، فأعدت الاستفسار والتأكيد عليه؛ ظنًا أنه يجاملني، أو يخبئ عني شيئًا، فقال: رفع الله ذكرك بكتابه يا سيدي.. اسكت بقى.
فسبحان الله!.. فبعد مضى حوالي ربع قرن من عمري بعدها، وكنت قد نسيت أمر الرؤيا تمامًا، ومع حبي للفقه، ومع ما قد شرفني الله تعالى به في خدمة موقع الفقه الإسلامي على مدار أكثر من عشر سنوات والعمل في تطويره وإدارة محتواه الذي قارب مليون صفحة، واطلاعي على جميع ما صدر عن المجامع الفقهية حول العالم، وفتاوى دار الإفتاء المصرية كاملة منذ نشأتها حتى عهد الشيخ سيد طنطاوي، وجميع فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، وجميع فتاوى دار الإفتاء ببعض الدول العربية.. الخ..
رغم كل ذلك شاء الله ربي أن يكون التخصّص الأكاديمي الذي مالت له نفسي -بعد بلوغ سن الخمسين وكان ذلك منذ حوالي عقد من الزمن- هو التفسير وعلوم القرآن، وأن يكون (الماجستير) ثم (الدكتوراه) فيه..
فالحمد لله أوّلًا وآخرا.. وأسأل الله تبارك وتعالى حسن الختام، والتوفيق لخدمة كتابه العزيز، والعمل به، وتعلمه وتعليمه، وإظهار بعض كنوزه ودُرره وأسراره.


