أذهلني موت الدكتور خالد فهمي كما أذهل الكثيرين، ليس لصدمة الفقد فحسب، بل لسببين آخرين، يكمن الأول منهما في هذه الشبكة الهائلة من العلاقات الاجتماعية التي تمتع بها- عليه رحمة الله- فما نجده على صفحات كثيرة لتلاميذه وأصدقائه من تقدير وثناء وقص لمواقف إنسانية كان هو طرفا فاعلا فيها، أمر يثير العجب، إذ كيف تسنى لهذا الرجل فتح نوافذ حياته مشرعة على هذا الكم المذهل من الطلاب والباحثين والزملاء في وقت واحد داخل جامعته وخارجها، حيث لا فرق بين أبناء جامعة وأخرى، فقد امتد عطاؤه، وانبسطت إنسانيته لتستوعب عددا يجل عن الحصر، حتى إن كثيرا ممن ينتمون إلى جامعة الأزهر كان يواددهم ويعرفهم ويعرفونه معرفة حقيقية، وتربطهم به مواقف وصداقات، والعجيب في ذلك أن كل واحد ممن ضمتهم دائرة معارفه يكتب عنه كأنما يرى نفسه الصديق المقرب عنده، والرفيق الأوحد، لأثرة لديه، وودادة وجدها في قربه.
أما السبب الثاني الذي أذهلني بموته- رحمه الله- فهو صغر سن هذا العالم العملاق، فقد كنت أظنه فوق الستين على أقل تقدير، وكثير من الناس كان يظن ذلك، وأذهلهم أن الرجل لم يتجاوز ستة وخمسين عاما، فهذا مما زاد العجب في النفوس، إذ كيف له في هذا العمر القصير أن يكون بهذا الرسوخ، وأن يخلف وراءه تراثا عظيما زاخرا، ومؤلفات شتى تربو على ستين مؤلفا، في فنون كثيرة من العلم، وكيف له أن تمتد علاقاته لتشمل كثيرا جدا جدا من باحثي مصر وأساتذتها وطلابها من الجنوب إلى الشمال؟ بل خارج مصر في أرجاء الوطن العربي والإسلامي، ولا أجد لذلك تفسيرا إلا أن الله قد بارك عمره، ومنحه من المواهب ما لم يمنحه كثيرا من خلقه.
ولا ريب أننا فقدنا بفقده جبلا راسخا من جبال العلم، لو قدر الله له البقاء لفاض عطاؤه وامتد حتى يبلغ ما شاء الله له أن يبلغ، وكيف لا وقد طبقت شهرته الآفاق، وبلغ علمه وعطاؤه هذا المبلغ العظيم؟!
رحم الله الأستاذ الدكتور خالد فهمي العالم الجليل الذي بكى عليه محبوه بكاء حارا صادقا، ولا يزالون ينتحبون لموته، ويذكرون فضله، ويقصون حكايات مشوقة لا حصر لها عن إنسانيته، ورهافة حسه، ورقة مشاعره، جديرة بأن تخرج كتابا ينير الطريق أمام كل من يريد أن يكون إنسانا بحق.. رحمه الله وأحسن إليه.


