سألتُ صديقًا لي منذ سنوات، وهو سياسي مخضرم يعمل من وراء الظل وتربطه علاقات وثيقة بعدد كبير من الحكام والمسؤولين في العالم الإسلامي قلت له: كيف استطاع بعض الحكام إقناع عدد من العلماء بأنهم يقومون على مصلحة العباد والبلاد، رغم أن أعمالهم الفاسدة ظاهرة للعوام قبل العلماء؟ فقال لي: “السر في ذلك يكمن في بعض أساليب الحكام مع العلماء، من ذلك أن الحكام يُشْعرون العلماء الذين يجلسون معهم أنهم يملكون معلومات عن تفاصيل الأمور السياسية ما ليس لدى هؤلاء العلماء، ثم يخبرونهم ببعض هذه المعلومات وعن مصادرها العالية، وعن بعض الضغوطات التي يتعرضون لها من قادة بعض الدول الكبرى ونحو ذلك، وقد يخصونهم ببعض الأسرار حتى يشعر العالم أن له خصوصية لدى الحاكم ليست لغيره من الناس، فيخرج العالم من مجلس الحاكم أو المسؤول الكبير وهو مقتنع بأنّ هؤلاء الحكام يقومون على أصول الموازنة بين المفاسد والمصالح، وأنهم يعملون على تحقيق مقاصد الدين وغاياته الكبرى، وأن من ينكر عليهم من العامة إنما ينقصهم فقط المعلومات، وليس إلاّ. ولو علموا ما نعلم، لعذروا هؤلاء الحكام، ولربما لهَجَوا لهم بالدعاء ليلاً ونهارًا، ولدافعوا عنهم أمام خصومهم وأعداءهم.
وقد تبين لي بعد مدّة من الزمن أن هذا السلوك يتبعه عدد من قادة الأحزاب وصُناع القرار فيها فهم يخصّون بعض العلماء والدعاة بمعلومات ويُشعرونهم بأنهم على اتصال بفلان وفلان من قادة الدول أو المسؤولين فيها، وأنّ لديهم من المعلومات ما ليس عند غيرهم ممن ينكر عليهم، ويُخبرونهم أنهم لم يتخذوا هذه المواقف إلا من باب مراعاة المصالح ودفع المفاسد، ونحو ذلك مما نسمعه كثيرًا هذه الأيام حتى لو كانت هذه المصالح لا تخضع للموازين الشرعية في هذا الباب، وما إنّ تمر الأيام والليالي حتى يصبح بعض هؤلاء العلماء والدعاة من أهل شرعنة المواقف السياسية لتلك الأحزاب، حتى وإن لم يكونوا ينتمون إليها أو يشاركون في أعمالها، المهم أنّ مصادر المعلومات التي على ضوئها يُبنى الموقف السياسي بالنسبة لهم هي هذا الحزب السياسي أو ذاك، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يصبح هو المفتي الرسمي لذلك الحزب، فما أن يطرح الحزب رؤيته أو مواقفه السياسيّة حتى يوازيه التأصيل الشرعي والفتوى السياسيّة لهذه الرؤية أو تلك المواقف.
لا حرج عندي أن يبني الفقيه العالم من أمثال هؤلاء موقفه الشرعي على ما يسمعه من معلومات يستقيها من الحزب الذي يحب ويثق في أصحابه، وإنما الحرج في الاكتفاء بهذه المعلومات دون البحث عن حقيقتها وصدقها في الواقع والقدرة على التفريق بين كونها معلومات أو انطباعات شخصية ومخاوف وهمية عند أهلها، الحرج عندي هو في بناء المواقف الشرعية على مصدر واحد وترك المصادر الأخرى، وفي الغفلة عن التأثير النفسي لحالة الخصوصية التي قد يَشعر بها هذا العالم من قبل صُناع القرار السياسي في الأحزاب التي يحب وأثر ذلك في فكره ونفسه وعقله.
قديمًا حذّر العلماء من تأثير السلطان في مواقف العلماء وقناعاتهم العلمية، ثم أضافوا بعد ذلك تحذيرهم من تأثير العامة وأهوائهم على العلماء، ويمكننا أن نضيف تحذيرًا ثالثًا من تأثير قادة الأحزاب السياسيّة وصُناع القرار فيها في توجهاتهم واختياراتهم الشرعيّة الدينيّة.


