«كُلَّما نَظَرْتُ إلى كَلامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَيْقَنْتُ حَقّاً أَنَّه أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ، وهذا حَدِيثٌ واحِدٌ يُمَهِّدُ طَرِيقَ الفَلاحِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ حَدِيثُ:
**«المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»**.
المُؤْمِنُ القَوِيُّ: دِيناً، وبَدَناً، وعِلْماً، ورُوحاً، وإِيماناً، عَزْماً، وعَزِيمَةً؛
فالقُوَّةُ لا تَقْتَصِرُ عَلى وَجْهٍ دونَ آخَرَ، وكُلَّما كانَ المُؤْمِنُ قَوِيّاً حازَ نَصِيباً أَوْفَرَ مِنَ الخَيْرِيَّةِ. ومِنْ أَجْمَلِ جوانِبِ القُوَّةِ وأَكْمَلِها: تِلْكَ القُوَّةُ النَّفْسِيَّةُ الدَّافِعَةُ لِلْعَمَلِ، الغارِسَةُ لِلأَمَلِ؛ لِذا يَأْتِي الحَدِيثُ مُكَمِّلاً:
**«احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللهِ ولا تَعْجِزْ»**.
احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ: ما يَنْفَعُكَ في دِينِكَ وفي دُنْياكَ، ما يَنْفَعُكَ مَعاشاً ومَعاداً، ما يَنْفَعُ مَعَكَ ويَنْفَعُ لَكَ. فَقَدْ يَنْفَعُ مَعَكَ ما لا يَنْفَعُ لِغَيْرِكَ، فلا تَحْرِصْ إلَّا عَلى ما هو نافِعٌ لَكَ. احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ ومَنْ يَنْفَعُكَ؛ مَنْ يَنْفَعُكَ في صُحْبَتِهِ فَيَصْدُقُ وُدُّهُ ويُخْلِصُ نُصْحَهُ. وخُذْ مِنَ النُّصْحِ ما يَنْفَعُكَ، فَلَيْسَ كُلُّ نُصْحٍ -وإنْ كانَ مِنْ مُحِبٍّ- نافِعاً أو مُلائِماً لِطَبِيعَتِكَ، ولَوْ أَرَدْتَ أنْ تَكُونَ الصُّورَةَ الأَمْثَلَ في عَيْنِ كُلِّ ناصِحٍ لَتَشَتَّتَتْ نَفْسُكَ؛ فالناسُ مُخْتَلِفُونَ في الأَمْزِجَةِ والمَقايِيسِ، فلا تَكُنْ إلَّا أَنْتَ بِحِرْصِكَ عَلى ما يَنْفَعُكَ.
«واسْتَعِنْ بِاللهِ ولا تَعْجِزْ»:
اسْتَعِنْ بِاللهِ في سَيْرِكَ ولا تَلْتَفِتْ لِغَيْرِكَ، وخُذْ مِنْ فَشَلِكَ طَرِيقاً لِنَجاحِكَ؛ أذْنَبْتَ تُبْ، أخْفَقْتَ حاوِلْ. أَنْتَ ضَعِيفٌ تِلْكَ هي الحَقِيقَةُ؛ فاسْتَعِنْ بِالقَوِيِّ، ولا تَعْجِزْ، لا تُكَبِّلْ نَفْسَكَ بِقَيْدِ الخَوْفِ مِنَ الفَشَلِ وضَعْفِ الثِّقَةِ في النَّفْسِ، وإنَّما ابْدَأْ، وستَصِلُ يَوْماً إلى ما تَتَمَنَّاهُ وفَوْقَ ما تَتَمَنَّاهُ. لا تَجْعَلْ أحَداً يُحَطِّمُ ثِقَتَكَ بِذاتِكَ ويَقِينَكَ في رَبِّكَ، وواصِلْ وستَصِلُ.
ويَأْتِي الجُزْءُ الأَخِيرُ مِنَ الحَدِيثِ دافِعاً لِلْأمامِ، ناظِراً لِلْمُسْتَقْبَلِ:
«وإنْ أَصابَكَ شَيْءٌ فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذا وكَذا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وما شاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ».
دَعْ عَنْكَ ما مَضَى ولا تَبْكِ عَلى اللَّبَنِ المَسْكُوبِ؛ فما قَضاهُ اللهُ كانَ، فابْدَأْ مِنْ جَدِيدٍ. ابْدَأْ بِقُوَّةٍ وعَزْمٍ وجِدِّيَّةٍ وحَسْمٍ؛ فالبِدايَةُ القَوِيَّةُ بَعْدَ تَعَثُّرٍ تُخْبِرُ عَنْ إيمانٍ قَوِيٍّ، وهي لا تَأْتِي إلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ قَوِيٍّ، و«المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ».
إنَّ المُتَأمِّلَ في هَدْيِ المُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم يُدْرِكُ يَقِيناً أَنَّ هذه الكَلِماتِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِباراتٍ عابِرَةٍ، بَلْ هي «دُسْتُورُ نَهْضَةٍ مُتَكامِلٍ» يُلامِسُ شِغافَ القُلُوبِ ويُوقِظُ مَواتَ الهِمَمِ؛ فالإِسْلامُ لا يَعْتَرِفُ بِاليَأْسِ سَبِيلاً، ولا يَرْضى لِأَتْباعِهِ بِالقُعُودِ عَلى رَصِيفِ الأَمانِي، بَلْ يَرْسُمُ لَهُمْ خارِطَةَ طَرِيقٍ واضِحَةَ المَعالِمِ تَبْدَأُ مِنْ صَلاحِ الباطِنِ وتَنْتَقِلُ إلى إِتْقانِ العَمَلِ وانْطِلاقِ العَزِيمَةِ.
وإنَّ أَعْظَمَ ما نَسْتَلْهِمُهُ مِنْ هذا المَعْنَى النَّبَوِيِّ العَظِيمِ هو أَنَّ «الإِنْسانَ صانِعٌ لِمُسْتَقْبَلِهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ» مَتى ما اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ، ورَبَطَ قَلْبَهُ بِخالِقِهِ، وأَدْرَكَ أَنَّ التَّعَثُّراتِ ما هي إلَّا مَحَطَّاتٌ لِتَقْوِيَةِ السَّاعِدِ وشَدِّ العَزْمِ، لا مُسَوِّغاتٍ لِلِاسْتِسلامِ والانْكسارِ. فالأُمَمُ العَظِيمَةُ والأَفْرادُ الأَكْفاءُ لا تَصْنَعُهُمْ ظُرُوفُ الرَّخاءِ وَحْدَها، بَلْ تَصْنَعُهُمُ المِحَنُ حِينَ تَتَقابَلُ مَعَ إيمانٍ راسِخٍ، ونَفْسٍ طَمُوحَةٍ، وخُطىً ثابِتَةٍ لا تَعْرِفُ الالتِفاتَ إلى الوَراءِ.
فَلْنُقْبِلْ عَلى الحَياةِ بِقُلُوبٍ مُلُؤُها التَّوَكُّلُ، وعُقُولٍ تُبْصِرُ مَواقِعَ النَّفْعِ، وأَيادٍ تَعْمُرُ الأَرْضَ بِالأَمَلِ والعَمَلِ؛ لِنَكُونَ أَهْلاً لِتِلْكَ الخَيْرِيَّةِ التي بَشَّرَنا بِها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في مَقامِهِ العَظِيمِ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»
……
من كتابي خواطر إيمانية حول السنة النبوية


