أخطر شيء أو دَرَك تتردى الأمَّة فيه أن يسود الظلم فيها والجهل وانعدام الفرص وانعدام التكافؤ ودمار الحريَّات، إلى حد يجعلها تلجأ إلى أعدائها للانتصاف لها من بني جلدتها، ومساعدتها على استرداد حقوقها من أبناء عمومتها وأبناء جلدتها، فهذا أمر لا أظن أنَّ شيئًا على وجه الأرض يمكن أن يصيب الأمَّة أخطر منه، لقد سادت مظالم المستبدين في مقدرات الشعب في العراق فاستعان بعض العراقيين بالأجنبي لينصفهم، فكانوا مثل ما قال شاعرنا القديم:
المستجير بعمروٍ عند كُربته.. كالمستجير من الرمضاء بالنار
فذهب العراق، وما يزال غارقًا في دمائه وجراحه، وذهب جنوب السودان، وهذه سوريا قد نفقدها اليوم أو غدًا، وذهبت ليبيا، وذهبت الصومال، كل ذلك لأنَّ مستبدًا أو طاغية سيطرت عليه شهوته للاستبداد والطغيان، ووجد من حوله طغمة من المنافقين والانتهازيين والراغبين في أكل أموال الناس بالباطل، والاستعلاء عليهم بدون حق، يزينون له الاستبداد والانحراف، ويشجعونه على الظلم والعدوان، حتى ييأس المعارضون له من العدل أو النصفة أو الوصول إلى أيّ حق، ويبغض المظلومون الوطن الذي انتموا إليه ليصبحوا مثل ما قال الشاعر:
لا أذود الطير عن شجر.. قد بلوت المر من ثمره
على العكس من ذلك قد يقطع ذلك الشجر، وهذا ما يفعله البعض اليوم في أوطانهم بعد أن فقدوا فيها الأمن والعدل والفرص والمساواة والحياة الكريمة نتيجة استيلاء ذلك الطغيان عليها، واستئثارهم بحكمها، وإذا كان الأثر يقول “كاد الفقر أن يكون كفرًا” فإنَّ الاستبداد هو الكفر البواح، والشرك الصراح والنفاق الأبلج فإلى متى تستمرئ هذه الأمَّة الموِّحدة الاستبداد والطغيان وتتقبله وتغنى للطغاة بمثل ما يقول قائلهم في القرن الرابع للحاكم بأمر الله الفاطمي:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدار… فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
وكأنّما أنتَ النبيُّ محمّدٌ.. وكأنَّما أنصاركُ الأنصارُ
ومثل ما قال شاعر أحد طغاة العراق:
تبارك وجهك القدسيّ فينا.. كوجه الله ينضح بالجلال
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (المطففين:4-6)؟!


