مفاهيم «الإصلاح والتجديد» كانت على الدوام من الموضوعات التي تنازع البشر حولها، وفقًا لاختلاف رؤاهم ومواقعهم؛ ومحاولة تثبيت هذه المفاهيم تحتاج إلى اتفاق بشريٍّ حول القيَم التي تنبثق منها هذه المفاهيم، وتلك القيم -في نظري- هي «التوحيد، والتزكية، والعمران». إنَّ تبنّي الحضارة الحديثة لمبدأ «نسبيَّة القيم» أدّى إلى سيولتها، وعدم استقرارها، وإخضاعها لتقلُّبات المصالح بدلاً من أن تكون الضابط المهيمن لها وعليها، والاتفاق على المفاهيم الدقيقة للإصلاح والتجديد يعالج جزءًا مهمًّا من «أزمة اتجاهات الإصلاح والتجديد»، ولكن تحديد المفاهيم -وحده- لا يكفي.
إضافة إلى ما تقدم فإنَّ هناك معوقات لأفعال المجدِّدين وحركات التجديد: منها ما هو ذاتيّ؛ مثل: تصارع حركات الإصلاح، وعدم تحديد المفاهيم وما ينجم عنه من سوء الفهم، وعدم معرفة كل حركة إصلاحيَّة أو تجديديَّة للمساحات أو الثغرات التي تتحرك فيها بدقة، بحيث لا يكون هناك مساحات يقع فيها تضارب وتصارع مع حركات إصلاحيَّة أخرى، وكذلك اتجاهات التعميم التي تزخر بها خطابات التجديد. وعدم تحديد الأهداف بالدقة الّازمة وملاحظة جميع الجوانب التي تجعل منها أهدافًا عمليَّة، كل ذلك يمكن أن يُدرج تحت عنوان: «المعوقات الذاتيَّة لخطاب التجديد».
ومنها ما هو خارجيّ. قد يفرض على الخطاب الإصلاحيِّ قيودًا عديدة، لأسباب متنوعة؛ ولذلك فإنَّ من المهم جدًّا للخطاب الإصلاحيِّ أن يحدِّد المفاهيم التي يتناولها بدقة، وأن يؤكد على ثبات القيم الأساسيَّة التي تُعدُّ أهم الدعائم بالنسبة لأيِّ خطاب تجديديٍّ، وأن يحدِّد بدقة الثغرة الأساسيَّة التي يريد المرابطة عليها، والمصطلحات التي تشكِّل صيغة الخطاب، والإطار المرجعيّ له. فمن شأن ذلك أن يجعل الخطاب أكثر فاعليَّة وأقرب للدقة.
كذلك لابد من تحديد أولويَّات العمل التجديديِّ بدقة: التجديد العقديّ وإصلاح الرؤية، والفكريّ وإصلاح المنطلقات، والمفاهيميّ وبناء الإطار المرجعي، والثقافيّ، وأيضًا النفسيّ.


