في نهاية الستينيات أصدر جمال حمدان كتابه في حجمه الصغير “شخصية مصر”،
سافر حمدان في العهد الملكي في عام 1949 لدراسة الماجستير والدكتوراة في بريطانيا، وأمضى مطلع الخمسينيات في وقت كان كتاب عالم الآثار سيريل فوكس قد اشتهر منذ صدوره في عام 1932 .
كان فوكس قد أعطى لكتابه عنوان “شخصية بريطانيا”.
واضح أن جمال حمدان تأثر بعنوان هذا الكتاب تأثرا مباشرا.
لكن ثمة 7 فوارق على الأقل بين التجربتين:
▪️وضع فوكس عنوانا فرعيا لكتابه يقول ” تأثير شخصية بريطانيا على السكان والغزاة في عصور ما قبل التاريخ ومطلع العصور التاريخية”.
وكما نرى فإن فوكس اختار عنوانا فرعيا أكاديميا علميا واضحا بينما لجأ حمدان إلى عنوان فرعي ثقافي إعلامي: “دراسة في عبقرية المكان”.
والإعلام الثقافي كانت له أهميته في ستينيات القرن العشرين ولم يكن حمدان بعيدا عن الكتابة الثقافية العامة، وكان على تواصل مع محررين كبار أمثال يحيى حقي، وقد جرب حمدان نفسه في الكتابة للمثقف العام في الصحف والمجلات قبل أن يختار العزلة والاعتكاف على مشروعه الذي كتبه أيضا لجمهور المثقف العام وليس للجغرافيين في الجامعة.
▪️كتاب فوكس في 1932 صغير الحجم في حدود 120 صفحة، وسيأتي كتاب حمدان في نسخته الأولى في نهاية الستينيات صغير الحجم أيضا. سيتضخم الكتاب لاحقا في مطلع الثمانينيات ليصبح عملا موسوعيا استثنائيا من 4000 صفحة. كثيرون يقولون إنهم يحبون الكتاب الصغير الأول ولا يصبرون على الموسوعة الثانية الضخمة.
▪️الروح بين الكتابين مختلفة: فوكس يكتب عن دولة وصلت إلى مصاف القوى العظمى ومجد الإمبراطورية، وبالتالي فهي روح الباحث الهادئ الاحترافي، المهتم بالمعلومة وتنظيمها وتبويبها بشكل أكاديمي.
▪️هوية فوكس مغايرة لهوية حمدان. فوكس كان يحمل لقب سير، وهو عالم آثار ومدير المتحف الوطني للآثار في ويلز . وكانت معظم بحوثه تشاركية مع علماء آخرين، يعيش فوكس في المجتمع المفتوح بين الناس ومعهم، في الهواء الطلق، يدير العمل العلمي أكثر ما ينتجه.
في المقابل روح حمدان مختلفة، روح جغرافي وطني خرجت بلاده من الاستعمار الإنجليزي ( وطن فوكس) وتواجه بلاده أطماع الاستعمار الجديد بعد زرع إسرائيل. روح حمدان غضوبة ثائره ساخرة، لا تعمل بين الناس، خاصمت العمل العام والإدارة. لكنه فعل ما قاله نجيب محفوظ من ان اعتزال الناس يعد عملا عظيما إن كانت هذه العزلة ستعود على هؤلاء الناس بالنفع والفائدة.
▪️حصل فوكس على الدكتوراه في عام 1922 عن آثار منطقة كمبريدج، وهو عمل علمي بحت. بينما حصل حمدان – طالبا للبعثة في إنجلترا – على دكتوراه عن سكان وسط دلتا النيل.
سافر حمدان إلى إنجلترا في عام 1949 ضمن مدرسة الجغرافيا التاريخية التي تربط جغرافية مصر بتاريخها القديم. في تلك الفترة كان قسم الجغرافيا يمشي على هدي محمد عوض محمد صديق طه حسين، كانت الجغرافيا قريبة من الأدب والتاريخ وفلسفة المكان وفلسفة التاريخ ولم تكن قد اقتربت بعد من الجغرافيا العملية العلمية القائمة على البحث الميداني أو اقتناص المعلومات من قلب الحدث وليس من بطون الكتب المنشورة بالفعل.
من أجل هذا غرف حمدان من التاريخ والكتب القديمة بينما كان فوكس مستشكفا ميدانيا ينبش الحجر ويكتب بلغة جافة بعيدا عن التعبيرات البلاغية.
▪️إنجليزية فوكس ليس فيها بلاغة وحلاوة وطلاوة اللغة الحمدانية، فهو يكتب سردا جغرافيا وتاريخيا لا يخاطب به مشاعر في أوقات مفصلية من تاريخ أمته كما هو حال حمدان.
لو كِنتَ مصريا أو عربيا وأردت قراءة كتاب فوكس اليوم ستجده محبِطا لأنه خاص بمسألة علمية بريطانية بحتة، انتهت بانتهاء البحث فيها وعنها.
أما كتاب حمدان فما زال صالحا للقراءة والاستمرارية، لسبب رئيس أن العناصر التي شكلت الستينيات – الاستعمار والسلطة وتحديات الوضع الإقليمي والمحلي والصراع الاجتماعي الطبقي – ما تزال قائمة.
وما تزال قائمة أيضا بعض مفاهيم التسلط والتناقض بين الثراء والفقر ، نفس مفاهيم تحرير فلسطين والتخلص من بقايا الاستعمار، والتبعية والاستقلال.
▪️كتاب فوكس يعد كتابا قديما، متحفيا، أرشيفيا، انتهى زمنه بعد نحو قرن من صدوره. وهذا هو الطبيعي والمنطقي والعلمي في تخصص مثل علم الآثار
كتاب حمدان سيبقى مصدرا للقراءة ما بقيت الأوضاع في مجتمعاتنا وبلادنا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالماضي، تماما كما تقرأ أنت روايات نجيب محفوظ وقصصه القصيرة المستوحاة من أوضاع مصر في العصر المملوكي والفتوات والحرافيش وتعجبك إلى اليوم. والحقيقة أن محفوظ قارئ نهم لكتاب ابن إياس “بدائع الزهور في وقائع الدهور” عن حياة مصر في عصر المماليك.
—
هذه السطور هي افتتاحية قابلة للتطوير والتحرير والتعديل، أكتبها استعدادا لقراءة نقدية لكتاب فوكس، ولعلي أجد وقتا وأكملها وأقدمها للنشر في واحدة من الدوريات المصرية الثقافية.
وحين يحدث ذلك سأشاركها معكم هنا بإذن الله.







