كنت أقلب في عدد قديم من أعداد مجلة الهلال (عدد يناير 1959 م)، وهو عدد خصصته المجلة لاستطلاع رأي بعض الكتاب والعلماء والمفكرين عن توقعاتهم لما يمكن أن يروه فيما لو عاشوا إلى سنة 2000، فاستوقفني من ذلك مقالٌ كتبه مدير تحرير المجلة (طاهر الطناحي)، بعنوان: “أتمنى أن أعيش إلى سنة 2000 لأرى”.
واستوقفتني على وجه الخصوص فقرةٌ يقول فيها الكاتب: (أتمنى أن أعيش حتى أرى الرئيس جمال عبد الناصر في سن الثانية والثمانين -وذلك لأن عبد الناصر من مواليد 1918-، وليس ذلك بكثير عليه، فهو عمر الشباب الذي سيكون في ذلك الحين! ولا ريب أنه سيكون كما نراه الآن؛ لأن الطب الحديث سيمد في شبابه ونشاطه إلى سن المائة لا إلى سن الثمانين، وسيجدد له قوته، ويكون حينئذ قد حقق لبلاده وللوطن العربي كله ما يريده كل عربي من السيادة والقوة والمنعة، ومن السعادة والرخاء….).
لست أدري هل كانت كلمات ذلك الكاتب مجرد نفاق ومداهنة، أم أنه كان بالفعل محباً للرئيس، صادقاً في أمنياته له. وبخاصة أن الرئيس عبد الناصر كان قوي البنية، وكانت تبدو عليه في تلك الفترة أمارات الصحة الجسدية (كان في ذلك الوقت في الحادية والأربعين من عمره)، وكانت الهالة الإعلامية التي تحيط به، تشعر الناسَ بأنه “سوبرمان”، حتى إني أذكر أنني شهدت وأنا صبي صغير رجلاً في بلدتنا يقول لصاحبه، وهو يشير إلى حجر كبير (صخرة): “لو قدرت تشيل هذا الحجر فسوف أعطيك عشرة جنيهات كاملة”، فرد عليه الآخر في يأس: “ده لو جاء جمال عبد الناصر، نفسه مش هيقدر يشيله”.
بعد ذلك بثماني سنوات، وتحديداً في يوم الثامن والعشرين من مايو سنة 1967، وفي أثناء الأزمة التي سبقت عدوان الخامس من يونيو، وقف الرئيس عبد الناصر في مؤتمر صحفي عالمي مستعرضاً قوته، وهو يرد على مراسل صحيفة ” ديلي إكسبريس “البريطانية، وذلك حين سأله ذلك المراسل عما إذا كان يمكنه على المستوى الشخصي، أن يتحمَّل أعباء تلك الأزمة مثلما تحمل أعباء أزمة سنة 1956، مع ملاحظة أنه صار الآن أكبر مما كان عليه بأحد عشر عاماً؟ فقد رد عبد الناصر على ذلك الصحافي قائلاً: إنه لم يبلغ الخمسين بعد، وقال: (…. أنا مش خِرِع زي المستر إيدن- وهو رئيس وزراء بريطانيا أيام العدوان الثلاثي سنة 1956-… وطمنهم إني لسه ما وصلتش الخمسين، وقاعد لسه مدة طويلة، موجود هنا في هذه البلد وهذه المنطقة من العالم.. صحتي كويسة وقادر إني أستمر في هذه المعركة، وفي معارك أخرى، ماهياش أصعب شأناً أبداً من سنة 56).
هكذا تمنى طاهر الطناحي، وهكذا قال جمال عبد الناصر، ولكنَّ أقدار الله التي لا تخضع لأهواء البشر كان لها شأن آخر.. فلم تمضِ إلا أيام قلائل حتى وقعت الهزيمة المروعة في الخامس من يونيو، ومن يومها لم يعد عبد الناصر كما كان، فقد تكالبت عليه الأمراض، وبدا أكبرَ من سنه بكثير.. وقد ذكر الرئيس السادات في كتابه البحث عن الذات ص: 214: أنه (منذ هزيمة سنة 67 لم يَسْلَم عبد الناصر من المرض إلى أن مات، ففي 5 يونيو انفلت السكر، ولم يتمكن من السيطرة عليه إلا في نوفمبر سنة 67…خمسة شهور متتالية كانت كفيلة بأن تدمر الجهاز الداخلي لعبد الناصر على صورة أمراض متوالية.. وفي سبتمبر سنة 69 أصيب بنوبة قلبية أخفيناها، وأعلنا أنها انفلونزا…) إلخ.
وفي مساء يوم السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1390هـ، الموافق للثامن والعشرين من سبتمبر سنة 1970م، وفي حوالي الساعة التاسعة مساء، بدأت إذاعة القاهرة في بث تلاوات قرآنية متتالية. ولما كان ذلك الوقت هو غير الأوقات المعتادة لإذاعة القرآن الكريم، فقد توقعنا أن يكون أحد الزعماء قد مات، بل إنني أذكر أنني رغم صغر سني –كنت وقتها في الصف الأول الثانوي – توقعت أن يكون المتوفى هو الرئيس نفسه؛ لأنا كنا نسمع وقتها أنه قد أُرهق إرهاقاً شديداً، بسبب ما بذله من مجهود في مؤتمر القمة العربي الذي عُقد بسبب ما وقع من قتال بين المقاومة الفلسطينية والأردن، فيما سماه بعضهم بأزمة أيلول الأسود.. وبالفعل جاءنا بعد قليل صوت النائب أنور السادات، وهو يعلن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر..
وهكذا رحل عبد الناصر قبل أن يكمل عامه الثالث والخمسين، وكلنا مثله راحلون، فسبحان من قدَّر لكل مخلوق أجله. (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)..
رزقنا الله وإياكم حسن الخاتمة، وتوفانا مسلمين..
د. عبد الآخر حماد
17/ 4/ 1448هـ- 28/ 9/ 2026م


