تحت عنوان: “لا بد من تطبيق الشريعة “، وقفتُ في عدد قديم من مجلة الأزهر، يعود إلى أواخر الثمانينيات، على سطورٍ مضيئةٍ هذا نصها: (انتقد الدكتور محمود نجيب حسني رئيس جامعة القاهرة العمل بالقانون الوضعي، وطالب بسرعة تطبيق الشريعة الإسلامية.
وأشار في الندوة التي نظمتها جامعة القاهرة في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة 1409هـ حول “القيم الخلقية الإسلامية ودورها في بناء الفرد والمجتمع”، إلى أن هذا القانون الوضعي يتسم بالمادية المفرطة، ولا بد من سرعة تطبيق الشريعة الإسلامية لحاجة الناس إليها).
[مجلة الأزهر عدد شعبان 1409هـ-الموافق مارس 1989م، باب أنباء وآراء]
وتعليقاً على تلك السطور أقول:
1- لا يخفي ما في نشر مجلة الأزهر لهذا التصريح مِن إقرار منها، بما جاء فيه من وجوب تحكيم شرع الله عز وجل، وتنقية قوانين مما يخالف الشريعة الغراء.
والذي نعلمه أن قيادات الأزهر في ذلك الوقت وعلى رأسهم الشيخ جاد الحق رحمه الله، كانوا من أشد المنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية، ونبذ ما خالفها. وفي هذا أبلغ رد على ما يزعمه بعض علمائنا الرسميين الآن من أن الذين يزعمون أن الشريعة غير مطبقة في بلادنا هم فقط المتطرفون والإرهابيون، وأن القوانين الوضعية ما هي إلا عقوبات تعزيرية لجأنا إلى الاحتكام إليها نظراً لتعذر تطبيق أحكام الشريعة بحسب زعمهم، صرَّح بذلك الدكتور على جمعة والدكتور شوقي علام وغيرهما.
وقد رددنا على هذه الشبهة في مواقف سابقة.
وبينا أن التعزير كما تعرِّفه كتب الفقه هو التأديب على الجرائم التي لم تشرع فيها الحدود، أي لم يَرِد في عقوبتها نص شرعي، وهذا التعزير يُترَك تقديره للقاضي.
وأما مع وجود عقوبة شرعية مقررة فإن الاستعاضة عنها بعقوبة أخرى ما هو إلا نوع من تبديل شرع الله نربأ بأهل العلم والدين أن يقروه أو يرضَوْا به.
ثم إنه إنْ صح أن يقال مثل هذا الكلام في شأن القوانين التي تعاقِب على بعض الجرائم بعقوبات مخالفة لما حددته الشريعة، فماذا أنتم قائلون في الأمور التي جرَّمها الشرع الحنيف، وأمر بالعقوبة عليها، ومع ذلك لا يعتبرها القانون الوضعي جريمة أصلاً؟
فعلى سبيل المثال يخلو قانون العقوبات المصري من نص يجرِّم الزنا إذا وقع بين غير متزوجَيْن، وكان برضا المزني بها، وقد جاوزت الثامنة عشرة.
وعليه فلا يعتبر ذلك جريمة، ولا عقوبة فيه لا بحد ولا بتعزير، مع أنه في حكم الشرع جريمة فيها حد شرعي.
وكذا إذا وقع الزنا من الزوج في غير منزل الزوجية، فإنه ليس بجريمة ولا عقوبة عليه في قانون العقوبات المصري.
فأين التعزيرات يا أصحاب دعوى التعزيرات؟!
2- ثم إننا نعلم أن مجلس الشعب المصري كان قد شكَّل في أواخر السبعينيات حين كان يرأسه الدكتور صوفي أبو طالب رحمه الله، عدة لجان للعمل على تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، وتنقية القوانين الحالية مما يخالفها، وقد كان من أعضاء تلك اللجان ثلة كريمة من علماء الأزهر، على رأسهم فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله، الذي كان وقتها مفتياً للجمهورية، وقد أتمت تلك اللجان عملها في صيف عام 1982م.
ولكن كان المناخ السياسي قد تغير، فحال ذلك دون إقرار تلك القوانين فظلت إلى اليوم حبيسة أدراج البرلمان.
فبالله عليكم لو كانت الشريعة مطبقةً كما تقولون، فلِم كان هذا الجهد الجبار، والعمل الدؤوب الذي استمر أربع سنوات؟ ألم يكن هناك رجل رشيد يقول لهم: ما هذا السفه؟ كيف تضيعون الوقت والجهد والمال في إيجاد ما هو موجود بالفعل؟!
3- من اللافت للنظر أن صاحب هذا التصريح -الدكتور محمود نجيب حسني رحمه الله –كان في فترة من حياته عضواً بمجلس الشورى المصري، فهو قريب من مواقع التشريع وسن القوانين، فضلاً عن أنه في الأصل رجلُ قانون؛ فقد كان أستاذاً للقانون الجنائي بكلية الحقوق، وله عدة مؤلفات في القانون الجنائي وشرحه.
فهو رجل قد خبر القوانين الوضعية، وعرف عوارها، وبخاصة في مجال القانون الجنائي الذي هو أكثر القوانين مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية. وقد وقفتُ له على كتاب بعنوان: “الفقه الجنائي الإسلامي”.
فهو قد درس الشريعة والقانون، ولمس الفارق الكبير بينهما، وخلص إلى ما رأيناه في ذلك التصريح من وجوب نبذ القوانين الوضعية التي تتسم كما قال بالمادية المفرطة، وأنه لا بد من الإسراع بتطبيق الشرع المطهر الذي نحن أحوج شيء إليه، لصلاح دنيانا وأخرانا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. عبد الآخر حماد
10/ 11/ 1447هـ- 28/ 4/ 2026م


