رحم الله سيد قطب حين قال عن القرآن: انهم يريدون قرآنا يتلى في المآتم، ويتغنى به الصبيان في المحافل، أمّا أن يكون حاكما للحياة، فهذا إسلام سياسي.
هذه كلمة وجيزة من مفكر عميق الفكر، ورجل باع نفسه لله، واختار الآخرة، وكتب كتابه القيم (في ظلال القرآن)، ولم يؤلف مثله أو قريبا منه حتى اليوم، فهو ليس تفسيرا ينقل إلينا ما قاله السابقون فقط، وليس كتاب رأي ينقل إلينا فلسفات الشعوب، بل هو كتاب معاناة مع القرآن، كما أنه هو أيضا تجربة حية مع كتاب الله، وقال في المقدمة: لا يذوق لذة القران إلا من عاش في ظلاله، وقد عشت في ظلاله، ونص المفكر في كتابه هكذا (الحياة في ظلال القرآن نعمة،. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه) انتهى
ان الناس اليوم يحفظون القرآن بدون فهم، ويرددون كلماته بدون تأمّل، ويتجمّعون حول القراء ليستمعوا جمال الصوت، لا جمال القرآن، ويحبون سماع الصوت الجميل، لا الآيات المحكمات، فالقرآن ليس كلاما موزونا كالشعر، بل هو أعمق وأكثر اتزانا، وليس كذلك كلاما منمقا جميلا فقط لا عمق له، فهو يحمل علم الله بين صحائفه، وعلم الله لا حدّ له، فهو محيط بكل شيء، وهو كتاب يتجاوز حدود الزمان والمكان، بل ويتجاوز حدود الحياة البشرية، فهو كتاب يتحدث عن الغيب والشهادة، وعن الله والإنسان، وعن المبدأ والمصير، وعن العقيدة والشريعة، وعن الحياة والموت، وعن السلام والجهاد، وعن الرجل والمرأة، وعن كل الثنائيات في الحياة بشكل موزون، وفيه ميزان دقيق عن كل شيء.
القرآن رحمة الله للإنسان (الرحمن، علّم القرآن) فالرحمانية هي التي علّمت القرآن، والله بوصفه رحمانا جعل القرآن كتابه ومنهجه لهذا الإنسان حتى لا يتيه، فهو كتاب انزل للإنسان، فالإنسان بدون هذا الكتاب ينزل إلى درجة أدنى من الإنسانية، ولهذا قال سبحانه (خلق الإنسان. علّمه البيان) فالإنسان هو المكلف لفهم القرآن، ومكلف في تطبيق أحكامه بعد الفهم، لأن لديه خاصية البيان، والقرآن كتاب بيان، ومن هنا، كانت العلاقة بين القرآن والإنسان متينة، وهناك علوم مساعدة لفهم القران، ومنها العلوم الكونية، فالكون خلق من الله، والقرآن منزل من الله، وفيهما علم الله، فلا تناقض بينهما، ولهذا كانت الآيات بعد ذلك تترى حول الكون، وهو حديث عجيب في سورة الرحمن (الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان).
في كتاب الله ميزان دقيق، وفي الكون ميزان دقيق، وفي هذا دليل على وجود الخالق، وعلى وحدانيته، وقدرته المطلقة، وحكمته البالغة، ففي سورة الحديد (وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وفي سورة الرحمن (والسماء رفعها ووضع الميزان)، ومن هنا نفهم لماذا اختار الله كلمة الميزان في كتابه، وكذلك كلمة الميزان في خلقه، والسبب هو أن علوم الوحي تقوم على الميزان، كما أن علوم الكون كذلك تقوم على الميزان، ومن خرج من الميزان فقد ضل وهوى.
يقول ابن القيم رحمه الله (فان الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد) فهذا هو الميزان في كتاب الله، فالحديث عن الشريعة له ركنان، الحكم، ومصالح العباد، ومن اين تتحقق هذه المصالح؟ في المعاش والمعاد، فالإسلام ليس نظاما دنيويا فقط، وليس أيضا مشروعا أخرويا كذلك، فهو نظام ودين، وعقيدة وأخلاق، ورسالة ورؤية.
يستمر ابن القيم رحمه الله في إيضاح هذا المعنى الدقيق في الوحي، وهو وجود الميزان (وهي أي الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، ومصلحة كلها، وحكمة كلها) فهذه النظرة الشمولية للوحي تنبئنا بأن الوحي قائم على الميزان، والميزان هنا هو العدل الكامل، والرحمة الشاملة، والمصلحة المتيقنة الكلية، والحكمة البالغة، ولهذا، فالوحي يريد من خلال هذا الميزان بناء مجتمع موزون في وجوده، وقائم على العدل في تصرفاته، وتكون العلاقة بين الناس مؤسسة على الرحمة والتراحم قبل العقد والتعاقد، وتكون القوانين المنبثقة من الشريعة حكمة، فلا تبتعد عن مقصود الشارع، بل تحقق مقصود الشرع كما ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله.
يرى الفيلسوف الكبير علي عزت بيجوفيتش بأن الوحي الأخير يجمع في داخله بين روحانية عيسى عليه السلام المتمثلة في كتاب الإنجيل، وقانونية التوراة المتمثلة في كتاب موسى عليه السلام، فالوحي المحمدي كما قال ابن تيمية رحمه الله جمع بين العدل والفضل، وهذا هو الميزان بوجه آخر، فلا تخلو أحكام الشريعة من الرحمة، كما أنها لا تخلو من القوة، وبهذا تتحقق العدالة في الكون، فالناس يحتاجون إلى الكتاب للرجوع اليه، وهم كذلك يحتاجون إلى السيف (الدولة) لمنع التظالم والفوضى، فالإسلام ليس دينا روحانيا خالصا،، كما أنه لا يمكن إن يكون نظاما دنيويا خالصا، ففي داخله يعيش.







