يقولون في تبسيط الديمقراطية كمفهوم: إنها سلطة الشعب على حكامه، أو تحويل إرادة المواطن إلى سياسة حاكمة، ومن هنا نسمع هذه العبارة: «السلطة من الشعب وللشعب». ولكن هذه التجربة البشرية التي بدأت في زمن الإغريق والرومان، وتبلورت في العصر الحديث بعد عهد التنوير والخروج من النظم الشمولية في الغرب، ليست فريدة في نوعها؛ فقد قرأت أن التجربة الإسلامية الممثلة في العهد النبوي والراشدي كانت قريبة من هذه التجربة، مع نوع من الاختلاف الجذري في المرجعية.
ذلك لأن التجربة الغربية لديها مرجعية محددة، وهي العقل والمصلحة، بينما التجربة النبوية والراشدية لديها مرجعية محددة هي الأخرى، وتكمن في النص الذي حدّد للدولة القيم السياسية الحاكمة في الكليات، والنصوص الظنية والقطعية في الجزئيات، والعقل المنهجي الذي يُستنبط من المصادر الأصلية كالقياس، والمصادر التبعية كذلك، كما تراعي هذه التجربة المصلحة العليا للأمة في القواعد والنظريات الفقهية التي تعمل في الفراغ التشريعي (منطقة العفو).
وتوصّل الدكتور أبو يعقوب المرزوقي في بعض كتبه إلى أن النظام الجمهوري الديمقراطي ليس بعيدًا عن الإسلام، بل هو أصيل في الوحي، وتأمّل قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}، وقوله تعالى: {وشاورهم في الأمر}، فوجد أن النصّين يدعوان إلى ثلاثة أمور:
أولًا: إقامة الحياة الشورية في الأمة (شورى بينهم)، وهذه هي الديمقراطية؛ أن يكون الحكم بين الناس، ولا يُفرض عليهم بالإكراه.
ثانيًا: ما الشيء الذي يكون بينهم؟ هو «الأمر»، والأمر هنا هو الحكم، ولهذا يوصف الحاكم بـ«وليّ الأمر»، فهذا الأمر هو الحكم، وهو ما يخص كل فرد منهم، فلا يجوز أن ينفرد الحاكم بالأمر (وشاورهم في الأمر)، والأمر هنا للوجوب، لأنه لا توجد قرينة تصرفه عن الوجوب إلى غيره.
ثالثًا: الشعب هو الذي يقرّر مَن يحكم؟ ومتى يحكم؟ وكيف يحكم؟ وهو الأصل وليس الفرع، وهذا هو النظام الجمهوري؛ أي إن الجمهور هو الذي يقرّر. ولدينا نحن مسألة الإجماع ومسألة الجمهور، اللتان تحوّلتا مع الزمن إلى مسألة نخبوية فقط، وقد لاحظ الترابي رحمه الله أن هذه المسألة انكمشت وانحدرت من إجماع المسلمين إلى إجماع العلماء.
يخاف من الديمقراطية جبهتان من الأمة:
الأولى: المستبدّون من الساسة، لأنهم يعرفون أن أظافرهم سوف تُقصّ، وجيوبهم سوف تُنحسر، وأعين الناس سوف تكون مفتوحة على الحكام، وأن زمن العبودية سوف ينتهي. ومن هنا فهم يحاربون لأجل وأد الديمقراطية، سواء باسم العلمانية أو باسم الإسلام.
والجبهة الثانية: هي الموصوفة بأنها «الحركة الدينية الشعبوية» المستغلّة بذكاء من قبل النظام المستبد، لدى هذا الفريق أدلة من الوحي يجمعها، ويأخذها بعيدًا عن سياقاتها لتنزيلها في وضع غير إسلامي.
درس أحد فقهاء السلفية ودعاة الإسلام في الكويت مسارات الفكر الإسلامي من عصر النبوة حتى اليوم، وهو الدكتور حاكم المطيري، فوجده مرّ على ثلاث مراحل، وقد ذكر ذلك سابقًا الفقيه العلامة ابن تيمية رحمه الله، وكل مرحلة لها خطابها ورموزها وأفكارها وقيمها.
لكن الذين لا يدرسون تاريخ الفكر الإسلامي لا يلاحظون هذا التطور الخطير.
فالمرحلة الأولى وصفها بأنها مرحلة الدين المنزل، وهي المرحلة التي طبّق المسلمون فيها قيم الدين المنزل كما هي، أو قريبًا منها، فكان الخليفة أجيرًا، وليس ملكًا أو زعيمًا بلا حدود، وكانت القيم القرآنية مطبقة في أرض الواقع من غير تأويل محرّف للنصوص، فكانت المرجعية واضحة، وهي الوحي: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وكان الأمر شورى بين الناس، فلا استبداد ولا طغيان.
ثم جاءت المرحلة الثانية، مرحلة الدين المؤوَّل، وأصبح الدين تابعًا لا متبوعًا، وأداة وظيفية تُستخدم لإطالة عمر الكرسي، واستغلّ المستبدّون النصوص التي وردت في طاعة الحاكم الشرعي، فجعلوا الاستثناء أصلًا، والأصل استثناء، وهنا انتهت مرحلة الدين المؤوَّل.
وبعد مجيء الاستعمار، جاءت المرحلة الثالثة، مرحلة الدين المبدَّل، فكانت الدولة العلمانية التي ترفض أن تجعل الإسلام مرجعية، بل صار العالم الإسلامي فريقين في تبنّي العلمانية: فريق متسامح مع الدين كمصر والسودان وغيرهما، فلا بأس عندهم في إقامة الشعائر ومحاكم الأسرة والأحوال الشخصية، وفريق عنيف مع الدين كتركيا وتونس.
ومع هذا، هناك جبهة من العلماء السطحيين الذين يحسبون أن دولة مرحلة الدين المبدَّل كدولة مرحلة الدين المنزل، ولهذا يستدلّون بالنصوص لطاعة الحاكم مطلقًا، وينسون أن الحاكم ليست له طاعة مطلقة، وأنه لا تجوز طاعته في غير المعروف: «إنما الطاعة في المعروف»، و**«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»**.
ومع هذا نجد منهم خطابًا غريبًا: «اسمع وأطع ولو أخذ مالك وجلد ظهرك». وهذا النصّ –على فرض صحته– لا يُستدلّ به في طاعة الحاكم المستبدّ، لأنه يخالف النصوص المحكمة ويعارض الفطرة السليمة.
وللشيخ الددو توجيه للنصّ: أن يُسمع الحاكم ويُطاع إن أخذ مالك بحق وجلد ظهرك بحق، وهذا التوجيه قريب من طبيعة السلطة الشرعية التي تعمل في تطبيق الأحكام العامة على الجميع قهرًا، ولكن ليس من نور النبوة أن يُطالَب الناس بألّا يدافعوا عن أموالهم وأعراضهم حتى الموت ويُجعل ذلك شهادة في سبيل الله، ثم يُطالَب منهم أن يسمعوا ويطيعوا لهؤلاء الفسقة الذين يريدون أخذ أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، وما أكثرهم!
غريب أن يتحرر الغرب من سطوة الحكام، لكنه تحرر بعد أن تحرر من الخطاب الديني المنحرف. واليوم نجد الآلاف من المسلمين في الغرب يخرجون من دين الله أفواجًا بسبب هذا الخطاب، لأنهم يحسبون أن هذا الخطاب هو الممثل الشرعي الوحيد للإسلام. وأنا أخاف من ردة جماعية عن الدين بسبب هذه الحماقات، ولولا قلّة من الفقهاء والمفكرين لأصبح الشباب المتعلم خارج الخريطة.
نحن لا ندعو إلى ديمقراطية سائبة، فلا وجود لهذا النوع من الديمقراطية في العالم، فكل ديمقراطية موجودة في أي مكان متأثرة بالواقع الثقافي. فهناك ديمقراطية اليابان، وديمقراطية الدول الإسكندنافية، ولكل واحدة منها نكهتها الخاصة، وهناك الديمقراطية الفرنسية التي تحارب الدين. ومن حق المسلمين أن يرفضوا النموذج الغربي وينتجوا نموذجهم الخاص.
وهذا يتطلب أولًا قوة فكرية من جانب النخب، ووعيًا مرتفعًا من جانب الشعب، وبالتالي يجب أن نعرف أن الديمقراطية ليست مائدة تتنزّل من السماء جملة، بل هي تجربة بشرية تُكتسب وتُطبّق بقدر الإمكان، وتتحول مع الزمن إلى مشروع.
ولكن ليس من الدين أن نختار الاستبداد على حساب الديمقراطية، فالاستبداد –كما قال الكواكبي– شرٌّ مطلق، بينما الديمقراطية تجربة بشرية نجح الناس من خلالها في أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم، وليست نقيضًا لمرجعية السماء، فالمرجعية تتقرر بإرادة المسلمين الذين يرون أن شريعة الله هي المرجعية.
ولكن السؤال هو: كيف يُحكم الناس ومَن يقودهم؟ هل يأتي بقوة العساكر؟ أم يأتي بالتزوير؟ أم يأتي عن طريق الرضا الشعبي (الديمقراطية)؟
لقد غاب المسلمون عن الفعل الحضاري بسبب الاستبداد السياسي، وحكم المسلمون العالم بسبب الشورى والعدل، ولا عودة إلى الفعل الحضاري إلا عبر هذا الطريق. وهذا ما بدأت به تجربة أردوغان تشق طريقها نحو الفعل الحضاري، بينما العرب ما زالوا في العراء السياسي بسبب الاستبداد.
وقريبًا، ضحك العالم على السيسي في مقابلة ساخرة له مع قناة أمريكية، وسال من وجهه العرق لأنه يكذب ويزوّر، ولكن عبر وسائل الإعلام في الدول المتقدمة أصبح محل سخرية، وجعل الدولة المصرية العملاقة بلا ميزان في المحافل الدولية.
تَبًّا للعرب في زمن الاستبداد.


