{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}
علّقَ العلامة أحمد شاكر رحمه الله (ت ١٣٧٧هـ/١٩٥٨م) على حديث: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء»، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». (البخاري).
فقال: فلينظر السفهاءُ الحمقى أنصارُ المرأة في عصرنا، الذين يريدون إفساد الخُلُق الإسلامي السامي، ويفترون على الله ورسوله ﷺ أن الإسلام سوّى المرأة بالرجل، ولم يحجبها عن مخالطة الرجال.
لينظروا كيف صان اللهُ ورسوله ﷺ أن يظهر صوتُها حتى في الصلاة، ولكنّ القوم لا يستحيون.
مسند الإمام أحمد بتعليق أحمد شاكر.
أقول: إن ربّنا قال عن بنت شعيب: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص: ٢٥]. والظاهر أن الاستحياء لم يكن ضعيفًا فيها، ولم يكن متكلّفًا، ولم يكن ناقصًا، ولم يكن في المجيء فقط، بل كان حياءً من قوّةٍ فيها، وكان سجيّةً فيها، وكان تامًّا عندها على ما كان عند الحرائر في زمانها، وكان في المجيء والرواح، وكان الظاهر منها أنها لم تتمايل ولم تتغنّج كما هو عادة الأبكار.
ولذلك قال البقاعي: ولمّا كان الحياء كأنه مركّبٌ لها، وهي متمكّنةٌ منه، مالكةٌ لزمامه، عبّر بأداة الاستعلاء فقال: {عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، أي حياءٌ موجودٌ منها؛ لأنها كُلِّفت الإتيان إلى رجلٍ أجنبيٍّ تكلّمه وتماشيه. «نظم الدرر» ج ١٤، ص ٢٦٨.
وانظر في قوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ}، يا الله، ويا لروعة كلامه المعجز المبين! لقد تجسّد الحياء، فكان بساطًا ممدودًا على طريقها إلى موسى.
إنها لا تمشي على الأرض، ولكنها تمشي على حياء، تتعثّر فيه قدماها، وتقصر به خطاها، ويضطرب له كيانها.
ثم إنها تتكلم بالحياء، الحياء في القول.
ولذلك فإن المطلوب من المرأة أمران حال الخروج:
الأول: أن تمشي على حياء.
والثاني: حال كلامها يكون كلامها حياءً: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ}.
وما أجمل أن يجتمع الحياء من كلا الطرفين حين مشت بنت شعيب بين يدي موسى عليه السلام، قال لها: «امشي خلفي، فإني امرؤٌ من عنصر إبراهيم، لا يحلّ لي أن أنظر منك ما حرّم الله عليّ، وأرشديني الطريق».
ولذلك سار أصحابه صلى الله عليه وسلم على هذا المنهاج.
تقول عائشة رضي الله عنها: «كنتُ أدخلُ بيتي الذي فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وإني واضعةٌ ثوبي، وأقول: إنما هو زوجي وأبي. فلما دُفن عمر رضي الله عنه معهم، فوالله ما دخلتُه إلا وأنا مشدودةٌ عليّ ثيابي حياءً من عمر». أخرجه الإمام أحمد.
كم كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عظيمةً بحيائها، الذي وصل إلى درجة أن تستحي من ميت. هذا الحياء النادر يجعلنا نطأطئ رؤوسنا أسفًا من تردّي الحياء عند الكثير منا اليوم.
اللهم ردّنا إليك ردًّا جميلًا، يا رب العالمين.
اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.





